قراءة في ضوء حكمي المحكمة الدستورية الأردنية (4) و(5) لسنة 2026
المحامي د. محمد حسين المجالي
14-10-2026 02:10 PM
لا تُقاس هيبة الدستور بمجرد سمو أحكامه على سائر القواعد القانونية، وإنما بمدى فاعلية الضمانات التي تكفل احترامه في التشريع والتطبيق القضائي على حد سواء. فالدستور الذي يقرر الحقوق والحريات ويرسم حدود السلطات لا يستمد قوته العملية من نصوصه وحدها، بل من وجود آليات قضائية تتيح الاحتكام إليه كلما أثيرت شبهة جدية في دستورية قاعدة قانونية واجبة التطبيق. ومن هنا تبرز الأهمية الدستورية للدفع بعدم الدستورية، بوصفه وسيلة لحماية مبدأ المشروعية وصون علو القاعدة الدستورية. وقد جسدت المادة (60/2) من الدستور الأردني هذا المعنى حين قررت جواز إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم، وأوجبت إحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية متى وجدت محكمة الموضوع أنه جدي، وفقاً لأحكام القانون. فالنص الدستوري لا يجعل الإحالة إجراءً آلياً لمجرد إثارة الدفع، لكنه في الوقت ذاته لا يترك فحص الجدية لمشيئة غير منضبطة؛ بل يحمّل قاضي الموضوع واجباً دستورياً محدداً، قوامه فحص الدفع وتقدير جديته قبل اتخاذ القرار المناسب بشأنه.
وتتحدد أهمية هذا الواجب في أن محكمة الموضوع تقف عند نقطة التقاء بين حق المتقاضي في عرض شبهة عدم الدستورية وبين الاختصاص الأصيل للمحكمة الدستورية في الفصل فيها. فهي ليست مجرد قناة إجرائية لنقل الدفوع، وليست كذلك جهةً تملك حسم دستورية النص المطعون فيه بصورة نهائية. وإنما يتعين عليها أن تتحقق من أن النص محل الطعن واجب التطبيق على النزاع، وأن الفصل في دستوريته مؤثر في مآل الدعوى، وأن الدفع يستند إلى شبهة دستورية جدية تستحق العرض على المحكمة المختصة. ويتصل ذلك بأحكام المادة (11) من قانون المحكمة الدستورية الأردنية رقم (15) لسنة 2012 وتعديلاته. ومن ثم، فإن السلطة التقديرية الممنوحة لقاضي الموضوع ليست امتيازاً شخصياً، بل اختصاص وظيفي تحكمه غاية دستورية وتضبطه معايير قانونية. فلا يجوز أن تتحول الجدية إلى ذريعة لاستبعاد الدفوع الدستورية دون بحث حقيقي، كما لا يجوز أن تُفهم على أنها مطالبة لقاضي الموضوع بإثبات عدم دستورية النص قبل إحالته؛ فذلك من صميم ولاية المحكمة الدستورية.
وفي هذا الإطار، تكتسب أسباب قرار الإحالة أهمية تتجاوز الشكل القضائي المعتاد، لتصبح معياراً يمكن من خلاله التحقق من أن الواجب الدستوري قد أُنجز بالفعل. فالتسبيب هو الذي يكشف عن صلة النص المطعون فيه بالنزاع، وعن أثره في الفصل فيه، وعن الأساس الذي أقيمت عليه الشبهة الدستورية. أما الإحالة المجردة، التي لا تكشف عن فحص الجدية ولا تبيّن مبرراتها، فلا تكفي بذاتها لإثبات أن محكمة الموضوع مارست اختصاصها على الوجه الذي قصده الدستور والمشرّع. وينطبق الأمر ذاته على قرار عدم الإحالة؛ إذ ينبغي أن يكون رفض الدفع ثمرة فحص قضائي حقيقي، لا نتيجة إغفال أو تجاهل. فالتسبيب ليس مجرد وسيلة لإقناع الخصوم، وإنما ضمانة ضد التحكم، وأداة لصون المشروعية، ووسيلة لتمكين الجهات المختصة من التحقق من سلامة تطبيق شروط الإحالة. ومن هنا، فإن جودة القرار القضائي في هذا المجال لا تُقاس بنتيجته وحدها، بل كذلك بسلامة الطريق القانوني الذي أفضى إليها.
وتعيدنا هذه المبادئ إلى الدلالة التي تثيرها أحكام المحكمة الدستورية الأردنية رقمي (4) و(5) لسنة 2026، في ضوء ما انتهت إليه بشأن عدم قبول الطعنين لخلل متصل بشروط الإحالة وفحص الجدية. فعدم القبول الإجرائي لا يعني أن النص المطعون فيه قد ثبتت دستوريته، ولا يفيد أن المحكمة الدستورية حسمت موضوع الشبهة الدستورية؛ وإنما يعني أن المسألة لم تصل إلى مرحلة الفصل الموضوعي وفق المتطلبات القانونية اللازمة. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش: فقد يؤدي القصور في أداء الواجب الإجرائي الذي يراد به تنظيم الرقابة الدستورية إلى الحيلولة دون بحث المسألة الدستورية ذاتها. وإذا كان قراران من أصل ستة قرارات ضمن مجموعة القرارات محل الدراسة قد انتهيا إلى عدم القبول بسبب قصور في متطلبات الإحالة أو إظهار فحص الجدية، فإن هذه النسبة، التي تقارب الثلث، تستحق أن تكون منطلقاً لدراسة أوسع لممارسات الإحالة وأسباب عدم القبول، دون تعميمها على مجمل عمل القضاء الدستوري في غياب بيانات أشمل. فالمسألة ليست إحصائية فحسب، بل تتصل بمدى قدرة الإجراءات القضائية على أداء وظيفتها بوصفها جسراً إلى الرقابة الدستورية، لا حاجزاً دونها.
ومن هنا، ينبغي ألا يتوقف النقاش عند بيان الأثر الإجرائي لقرار الإحالة المعيب، بل أن يمتد إلى سؤال المسؤولية المهنية عن التقاعس عن أداء واجب فحص الجدية. فإذا كان الدستور قد أسند إلى محكمة الموضوع هذا الواجب صراحة، فإن إغفاله كلياً أو الامتناع غير المبرر عن ممارسته لا ينبغي أن يُعامل في جميع الأحوال باعتباره مجرد نقص في الصياغة القضائية. وأدعو، في هذا السياق، إلى وضع ضوابط قانونية واضحة وموحّدة لتسبيب قرارات الإحالة وقرارات رفض الدفع، وإلى بحث تطوير آليات المساءلة القضائية في حالات الإخلال الجسيم بهذا الواجب، متى توافر سند قانوني للمساءلة وثبتت عناصرها وفق الإجراءات والضمانات المقررة. ويقتضي ذلك التمييز بوضوح بين الخطأ المهني الجسيم أو التقاعس غير المبرر عن فحص الدفع، من جهة، والاختلاف المقبول في التقدير القضائي، من جهة أخرى؛ إذ لا يجوز أن تتحول المساءلة إلى وسيلة للتأثير في استقلال القاضي أو معاقبته لمجرد تبنيه تفسيراً قانونياً لا يتفق مع تفسير جهة أخرى. والمقصود ليس إلزام القاضي بإحالة كل دفع يثار أمامه، بل إلزامه بفحصه فعلياً، وتسبيب النتيجة التي ينتهي إليها، وتحمل المسؤولية التي يقررها القانون إذا أخل بهذا الواجب إخلالاً جسيماً. فاستقلال القضاء لا يتعارض مع المساءلة القانونية المنضبطة، كما أن المساءلة لا تكون مشروعة إلا إذا احترمت استقلال القضاء وضماناته.
إن مقتضيات حماية سمو الدستور تفرض الانتقال من الاكتفاء بتقرير واجب فحص جدية الدفع بعدم الدستورية إلى بناء منظومة عملية تكفل احترامه وتمنع إفراغه من مضمونه. ومن هنا، أدعو إلى إصلاح تشريعي ومؤسسي محدد يقوم على مراجعة أحكام قانون المحكمة الدستورية بما يرسّخ واجب محكمة الموضوع في تسبيب قرار الإحالة أو رفض الدفع، ووضع ضوابط قانونية واضحة وموحّدة تتناول مدى انطباق النص المطعون فيه على النزاع، وأثر الفصل في دستوريته في الدعوى، والأسس القانونية التي تقوم عليها الشبهة الدستورية. كما أدعو إلى تعزيز التأهيل القضائي في مجال الدفع بعدم الدستورية، وإلى تمكين الجهات المختصة بالتفتيش القضائي من رصد حالات الإغفال الجسيم أو التقاعس غير المبرر عن فحص الدفوع الدستورية، وفق ضمانات تكفل حق القاضي في الدفاع وتحول دون المساس باستقلاله بسبب مجرد الاختلاف في التقدير أو التفسير القانوني. وعند ثبوت إخلال مهني جسيم، ينبغي ترتيب المسؤولية التأديبية المناسبة وفق سند قانوني واضح وإجراءات عادلة، لا على أساس افتراض المسؤولية لمجرد انتهاء الإحالة إلى عدم القبول. وأقترح كذلك نشر تقارير دورية تتناول قرارات الإحالة وعدم القبول وأسبابها، بما يتيح تقييم مواطن الخلل وتطوير الممارسة القضائية على أساس بيانات موضوعية.
إن الإصلاح المطلوب ليس تشديداً شكلياً لشروط الإحالة، ولا توسعاً غير منضبط في مساءلة القضاة؛ بل هو إقامة توازن مؤسسي بين واجب القاضي في فحص الدفع، وحق المتقاضي في عرض شبهة دستورية جدية، واختصاص المحكمة الدستورية في الفصل فيها، وضمانة استقلال القضاء. فحين ينص الدستور على واجب، ينبغي أن يقابله إجراء واضح لضمان تنفيذه، ومعيار يمكن التحقق من احترامه، ومساءلة قانونية عند الإخلال الجسيم به. وعليه، فإن الإصلاح الذي أدعو إليه يبدأ بتحديد واجب الفحص والتسبيب، ويمرّ بتوحيد الضوابط القانونية وتعزيز الرقابة المهنية، وينتهي بإقرار مساءلة منضبطة عن التقاعس الجسيم، مع صون استقلال القضاء. فالدستور ليس مرجعاً أعلى للقواعد القانونية فحسب، بل هو عهد ملزم لكل سلطة، والقضاء في طليعة السلطات المؤتمنة على صونه؛ ولا تكتمل الحماية الدستورية بفتح باب الرقابة وحده، وإنما بضمان ألا يُغلق هذا الباب بسبب إهمال واجب إجرائي أوجبه الدستور ذاته.
* أستاذ القانون العام المشارك كلية الحقوق جامعة الزيتونة الأردنية