الدراما الاجتماعية المعاصرة .. آن الأوان لنرى أنفسنا على الشاشة
م. خلدون عتمة
14-10-2026 03:51 PM
من الإنصاف أن نتوقف عند التحركات الإيجابية التي تشهدها مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية خلال المرحلة الأخيرة، وما يرافقها من توجهات نحو تطوير المحتوى البرامجي والدرامي، وإعادة الاعتبار للإنتاج المحلي، في خطوة تستحق التقدير والتشجيع، لأنها تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الدور الذي ينبغي أن يؤديه التلفزيون الوطني في حياة الأردنيين.
ولعل ما يبعث على التفاؤل أن الحديث عن التطوير لم يعد محصوراً في تحسين الشكل العام للشاشة أو تحديث البرامج، بل أخذ يتجه نحو قضايا أكثر عمقاً، تتصل بهوية المحتوى، وتنوعه، وقدرته على الوصول إلى الجمهور الأردني بمختلف فئاته، ولا سيما الأجيال الشابة التي تبحث عن نفسها وعن قضاياها وتطلعاتها في الأعمال التي تشاهدها.
وفي مقدمة ما نأمل أن تحمله هذه المرحلة، **إعادة الاعتبار للدراما الاجتماعية الأردنية المعاصرة**، فالجمهور الأردني متعطش لأعمال درامية تشبه حياته، وتحاكي واقعه، وتدخل إلى بيوته وشوارعه وجامعاته ومؤسساته، وتنقل حكاياته الإنسانية والاجتماعية بلغة فنية حديثة وقريبة من وجدانه.
ليس من المعقول أن تبقى الصورة الدرامية الأردنية محصورة في إطار القرية والبادية والحكايات التقليدية، مع كامل احترامنا وتقديرنا لهذه النوعية من الأعمال التي شكلت جزءاً مهماً من ذاكرة الدراما الأردنية، وأسهمت في حضورها وانتشارها عربياً قبل عقود. لكن العالم اليوم تغيّر، والأجيال تغيّرت اهتماماتها وتطلعاتها، وتبدّلت أنماط الحياة واهتمامات المشاهدين. ولم يعد من الممكن الاكتفاء بالقوالب الدرامية ذاتها، فالأردن اليوم أكثر تنوعاً واتساعاً، ومجتمعه يحمل عشرات الحكايات الجديدة التي تستحق أن تُروى.
نريد أن نرى عمّان الحديثة بأحيائها وشوارعها ومقاهيها وجامعاتها، وأن نرى إربد والزرقاء والسلط والعقبة وغيرها من مدننا كما يعيشها الناس اليوم. نريد أن نرى الأسرة الأردنية المعاصرة، وعلاقات الآباء بالأبناء، وتحديات الشباب، وطموحات المرأة، وقصص النجاح والحب والعمل، وحتى الأزمات والتناقضات التي يواجهها الإنسان الأردني في حياته اليومية.
**نريد أن نشاهد الوجه الأردني الجميل لشبابنا وبناتنا على الشاشة**، بما يمتلكونه من حضور وثقافة وطموح وأناقة وثقة بالنفس. نريد شخصيات درامية تمثل هذا الجيل، وتعكس أفكاره وأحلامه وتحدياته، بعيداً عن الصور النمطية التي لا تستطيع وحدها التعبير عن مجتمع يتطور ويتغير باستمرار.
فالدراما ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل نافذة ثقافية واجتماعية تعكس صورة الوطن، وتسهم في تقديم هويته الإنسانية والحضارية. ومن حق المشاهد الأردني أن يجد على شاشة تلفزيونه الوطني أعمالاً يشعر أنها تنتمي إلى زمنه، وتقترب من تفاصيل حياته، وتمنحه فرصة لرؤية نفسه ومحيطه الاجتماعي بصورة فنية جميلة وصادقة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن نجاح أي خطة تطوير لا يُقاس بعدد البرامج والأعمال التي يجري إنتاجها فحسب، بل بمدى قدرتها على إحداث تحول حقيقي في طبيعة المحتوى، والاستجابة لاهتمامات الجمهور، وتحقيق التوازن بين المحافظة على الهوية الوطنية والانفتاح على أشكال درامية جديدة تواكب تطور صناعة التلفزيون.