الأمل موجود… فمن يحوّله إلى فرصة؟
كنان المبيضين
15-10-2026 11:28 PM
الشهادة الجامعية في الأردن اليوم تشبه جواز سفر بلا تأشيرة دخول؛ وثيقة تثبت أن الشاب اجتزأ مرحلة أكاديمية، لكنها لا تضمن له عبور بوابة سوق العمل. يُدفع الخريج إلى واقع يطالبه بخبرة لم يمنحه أحد فرصة اكتسابها، في متوالية قاسية جعلت من رحلة البحث عن الوظيفة الأولى استنزافاً لجيل كامل. وتؤكد الأرقام الرسمية عمق هذه الفجوة؛ فرغم انخفاض معدل البطالة العام إلى 21.0% في الربع الثاني من عام 2026، إلا أن بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً قاربت حاجز الـ 45% بحسب المرصد العمالي، بينما تضع تقديرات منظمة العمل الدولية الأردن ضمن أعلى عشر دول عالمياً في هذا المؤشر. والأكثر دلالة أن 60.5% من العاطلين عن العمل يحملون شهادة الثانوية فما فوق، ما يثبت أن التعليم وحده فقد قدرته على أن يكون جواز العبور الكافي.
ورغم أن الاقتصاد الأردني استحدث أكثر من 48 ألف وظيفة في النصف الأول من 2025، إلا أن هذا الرقم لم يخفف بوضوح من وطأة طوابير الانتظار. المشكلة إذن لا تقتصر على شح الوظائف وحسب، بل تتعداها إلى الجسر المفقود الذي يُفترض أن يعبر عليه الشاب من قاعة المحاضرات نحو الحياة العملية.
لقد وضع جلالة الملك عبدالله الثاني الشباب في صميم رؤيته للمستقبل، وجاء حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ليؤكد هذه الشراكة. ومن هذا الأفق، وُلدت مؤسسات رائدة كمؤسسة ولي العهد وصندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، ففتحت أبواباً مشرعة وأعادت للشباب إيماناً بأن هناك من يراهن على طاقاتهم. لكن الاعتراف بهذا الجهد الوطني لا يعفينا من ضرورة المساءلة، فالسؤال الملح الذي يتردد بين الشباب يتجاوز لغة التقارير الرسمية إلى البحث عن كيفية الوصول إلى هذه الفرص، ومدى عدالتها وجدواها على أرض الواقع.
تكتفي الكثير من الجهات بإعلان المدخلات من عدد مستفيدين وورش عمل، وتغيب مخرجات الأثر الحقيقي الذي يطرح أسئلة جوهرية حول كم متدرباً تعين، وكم شاباً استقر في وظيفته وتحسن دخله. الشفافية هنا درع للمؤسسات تحميها من النقد وتنقذ برامجها من التقييم الانطباعي. ويزيد من تعقيد المشهد التفاوت الجغرافي الصارخ، فحين تسجل معان بطالة بنسبة 33.9% مقابل 15.6% في العقبة، يصبح من حق ابن الأطراف أن يسأل عن عدالة التوزيع، لتتحول الفرصة في ذهن الشاب، وسط غياب معايير القبول الواضحة، من حق مكتسب إلى حظ أو علاقة شخصية، وتضيع الفئات الأقل قدرة على الوصول وفي مقدمتها الشابات.
وتبلغ الأزمة ذروتها في متطلبات التدريب الجامعي، حيث يُترك الطالب وحيداً للبحث عن جهة تقبله كشرط للتخرج، لينتهي به المطاف غالباً في مؤسسة لا تمتلك خطة لتعليمه، تكلفه بمهام هامشية، ثم توقع له على ورقة تثبت أنه اجتاز فترة التدريب. وقد يعمل بعضهم بلا أجر ولا تأمين ولا إطار يحاسب من يخل بالاتفاق، بينما تعجز الجامعات عن متابعة الآلاف، وتعزف الشركات الجادة عن المشاركة لغياب التنظيم والحوافز.
وللخروج من هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة لتأسيس شركة حكومية وطنية للتدريب الجامعي، تعمل بمرونة القطاع الخاص وتُشرف على منصة وطنية موحدة تجمع فرص التدريب. هذه الشركة ستلزم جميع الأطراف بعقود نموذجية تضمن الحد الأدنى من حقوق المتدرب كالتأمين وبدل المواصلات وساعات العمل وأهداف التعلم، وتتيح الفرص بشروط معلنة ومتكافئة لجميع طلبة الجامعات والمحافظات. ويمكن لمؤسسة ولي العهد وصندوق الملك عبدالله الثاني أن يكونا شريكين استراتيجيين ينقلان خبراتهما لتحويل هذه المنصة إلى منظومة وطنية تُخضع مخرجاتها لقياس الأداء المستقل عبر تقارير سنوية معلنة.
وبالتوازي مع ذلك، لا بد من تأسيس مجالس استشارية حقيقية لجيل "زد" داخل الوزارات المعنية كالتعليم العالي والعمل والاتصال الرقمي والريادة والشباب. هذا الجيل الذي اختبر تسارعاً تقنياً وأزمات متلاحقة، يمتلك فهماً مغايراً لسوق العمل. ويجب أن تُبنى هذه المجالس على مبدأ التقديم المفتوح وتُلزم الوزارات باستشارتها قبل إقرار السياسات، مع نشر ردود مكتوبة وعلنية على توصياتها، لتكون مجالس فاعلة تصنع الأثر لا مجرد واجهات تجميلية.
ولا يمكن اكتمال هذا التحديث دون إحداث ثورة حقيقية في وزارة الشباب التي تحتاج إلى إعادة ميلاد فعلية. وتكفي نظرة سريعة إلى واقع البنية التحتية لندرك حجم الخلل الهيكلي والتركة الثقيلة؛ فمحافظة كالزرقاء تحتضن نحو 14.2% من شباب المملكة لا يتوفر فيها سوى 5 مراكز شبابية رئيسية، بينما تضم محافظة الكرك التي يقطنها قرابة 3% من شباب الأردن 33 مركزاً تبعاً للامتداد الجغرافي لا الكثافة السكانية. هذا التوزيع غير المتوازن يجسد عمق التحدي، وهنا لا بد من إنصاف الجهود الاستثنائية التي يقودها وزير الشباب الدكتور رائد العدوان، والذي يعمل بجهد مضاعف وسط هذه البيئة المثقلة بالتركة القديمة، والقيود البيروقراطية، ومحددات الفساد الإداري والمحسوبيات التي طالما أعاقت أي إنجاز حقيقي في هذا الملف. لقد أثبت العدوان أنه يستحق تقديراً وسمعة أفضل بكثير مما تعكسه الصورة الذهنية النمطية للوزارة، وتجلى ذلك في خطوته الجريئة والمثيرة للإعجاب حين انتزع ملف "الاستراتيجية الوطنية للشباب 2026-2030" من أروقة المكاتب المغلقة، رافضاً الخضوع للآليات التقليدية، لينزل به إلى الميدان في كافة المحافظات. هذه الخطوة كسرت احتكار "الحرس القديم" لصناعة القرار، ومكّنت الشباب من صياغة منتج وطني يعكس تطلعاتهم الحقيقية بعيداً عن التنظير.
ولكي نضمن استدامة هذا النهج الإصلاحي الذي يقوده الوزير ولا نتركه يصارع الترهل وحيداً، يجب استلهام تجربة "تلفزيون المملكة" التي نجحت عبر إطلاق هوية جديدة وهيكلة حديثة نالت ثقة الجمهور. نحن نحتاج اليوم إلى إعادة تأسيس الجسم القائم لوزارة الشباب بهوية عصرية وطريقة عمل مرنة، يشارك الشباب في هندستها لتجمع الجهود المتناثرة تحت مظلة واحدة متجددة، وتكون درعاً مؤسسياً يحمي الإنجازات ويحارب القيود.
الشباب الأردني ليس عبئاً على الدولة، بل هو أثمن رصيد استراتيجي تملكه. لقد قدمت القيادة الرؤية وفتحت الباب، ويبقى على عاتق المؤسسات التنفيذية تحويل هذا الأمل إلى مسارات واضحة وعادلة. الشاب لا يطلب امتيازاً استثنائياً، بل يطلب قواعد لعب معروفة وفرصة يدرك كيف يصل إليها، وبناء هذا الإطار هو الضمانة لحماية المتدرب من الاستغلال، وحماية المؤسسات من الشك، وإنقاذ طاقة جيل كامل من الهدر.