الدولة المدنية الحديثة وحدود المبادرات الفردية والمجتمعية
د. سعود الشرفات
17-10-2026 09:03 AM
* مبادرة اللؤلؤ المكنون في ساكب مدخلًا للنقاش
أثارت مبادرة "اللؤلؤ المكنون" في إحدى مدارس ساكب بمحافظة جرش يوم الأربعاء 14 تشرين الأول 2026م نقاشًا يتجاوز طبيعة المبادرة وأهدافها المباشرة، ليطرح سؤالًا أوسع يتعلق بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود حرية الأفراد والجماعات في التعبير عن قيمهم ومعتقداتهم، والمسافة الفاصلة بين المبادرة الطوعية ومحاولة فرض أنماط معينة من السلوك على الآخرين.
اعتقد بأن أهمية هذه المبادرة تكمن في أنها تتيح مناقشة إحدى القضايا الأساسية في بناء الدولة المدنية الحديثة: كيف يمكن حماية حرية المجتمع في التعبير عن قيمه، من دون السماح بتحويل هذه القيم إلى قواعد ملزمة خارج إطار القانون ومؤسسات الدولة؟
من حيث المبدأ، لا يوجد ما يمنع الأفراد أو الجماعات من إطلاق مبادرات اجتماعية أو تربوية تعكس قناعاتهم الدينية أو الأخلاقية، ما دامت تمارس في إطار القانون، وتحترم حقوق الآخرين، ولا تقوم على الإكراه أو التمييز أو الاستعلاء، أو احتكار الفضيلة. فالمجتمع ليس مجرد مجموعة من الأفراد ينتظرون من الدولة تنظيم تفاصيل حياتهم، بل هو فضاء واسع للمبادرة والعمل التطوعي والتعبير عن القيم والتقاليد.
ومن ثم، فإن المحافظة الاجتماعية أو التعبير عن الالتزام الديني لا يشكلان، في حد ذاتهما، تعارضًا مع الدولة المدنية، كما أن الدفاع عن الحرية الفردية لا يعني رفض الدين مثلا أو التقليل من شأن القيم الاجتماعية. إن المسألة الحقيقية ليست في مضمون المبادرة وحده، بل في طبيعة ممارستها، وما إذا كانت تتيح للأفراد حرية الاختيار أم تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى وسيلة للضغط عليهم.
هنا تظهر أهمية التمييز بين حرية الدعوة إلى قيمة معينة وامتلاك سلطة فرضها. فمن حق أي جماعة أن تعبّر عن رؤيتها للاحتشام أو التربية أو السلوك الاجتماعي، لكن ذلك لا يمنحها تلقائيًا حق تحويل رؤيتها إلى معيار إلزامي للجميع، ولا يخولها ممارسة سلطة موازية لسلطة القانون. وقد يبدأ الأمر بمبادرة طوعية تبدو محدودة، ثم يثير سؤالًا عامًا حول ما إذا كان رفض المشاركة فيها سيترتب عليه ضغط اجتماعي أو انتقاص من مكانة الفرد أو حقوقه. ولا يعني طرح هذا الاحتمال افتراض حدوثه في مبادرة ساكب، وإنما التأكيد على ضرورة تقييم المبادرات وفق ممارساتها الفعلية، لا وفق النوايا المفترضة للقائمين عليها أو مواقف المؤيدين والمعارضين لها.
وفي هذا السياق، لا ينبغي اختزال دور الدولة في الموافقة على المبادرات أو منعها، بل يتعين النظر إليه من زاوية أوسع تتصل بسيادة القانون والمساواة في الحقوق والواجبات. فالدولة المدنية الحديثة لا تسعى إلى إلغاء دور المجتمع أو فرض نمط ثقافي واحد على مواطنيها، لكنها تضمن أن تبقى المبادرات المجتمعية ضمن الإطار القانوني، وأن تُصان حرية الأفراد من الإكراه والتمييز ونبذ الآخر.
وتكتسب هذه المسؤولية أهمية خاصة في المؤسسات التعليمية، حيث ينبغي أن تتوافق المبادرات مع الأنظمة المدرسية، وأن تراعي حقوق الطلبة وخصوصيتهم، وأن تخضع الإجراءات المتعلقة بالأنشطة المدرسية والتصوير والنشر للقواعد المعتمدة، بعيدًا عن تحويل الخلاف حولها إلى مواجهة بين التدين والحرية أو بين المجتمع والدولة.
ولعل الجدل الذي رافق المبادرة، بما شمله من تغطية إعلامية ومواقف سياسية، يؤكد حاجة مؤسسات الدولة المعنية إلى نقاش أكثر عمقاً وهدوءً ودقة. على سبيل المثال ما هي أنظمة وتعليمات ومواصفات ومقاييس لباس طالبات المدارس (شكل، لون، طول) حتى على الأقل يتسنى للمتابع أن يحدد اين وقع الخلل أو الخطأ بدقة ويحاسب المخالفين عليه. فاختلاف الروايات المنشورة بشأن أسباب حذف صور الطالبات يستدعي التمييز بين الوقائع المؤكدة والتفسيرات المتداولة، كما أن اتساع النقاش لا يعني بالضرورة وجود إجماع مجتمعي أو انقسام وطني حول القضية. والأجدى ألا يتحول النقاش إلى محاكمة مسبقة للقائمين على المبادرة أو إلى منحهم، في المقابل، حصانة من التساؤل والنقد. فالمبادرات المجتمعية، شأنها شأن أي نشاط عام، تظل قابلة للتقييم في ضوء القانون والحقوق والمصلحة العامة.
لقد قامت الدولة الأردنية منذ تأسيسها على مؤسسات وقواعد قانونية تجمع مواطنين ينتمون إلى بيئات اجتماعية وثقافية (مدنية وفلاحية وبدوية) متنوعة. والحفاظ على هذا الإطار لا يتطلب إضعاف المجتمع أو تقييد مبادراته، بل يتطلب تنظيم العلاقة بين المجالين بحيث يمارس المجتمع حريته، وتضمن الدولة ألا تتحول قوة الجماعة أو نفوذها الاجتماعي إلى وسيلة لتقييد حرية الأفراد.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي تستحقه مبادرة ساكب يتجاوز تأييدها أو معارضتها: كيف نحمي حق المجتمع في التعبير عن قيمه، وفي الوقت نفسه نحمي حق الفرد في الاختيار؟
هنا تحديدًا تتجلى وظيفة الدولة المدنية الحديثة؛ ليست في فرض القيم على المجتمع، ولا في إقصاء القيم من المجال العام، بل في ضمان أن يظل القانون هو الإطار المشترك الذي ينظم الاختلاف، ويحمي الحرية، ويمنع تحول أي قناعة اجتماعية، مهما كانت مشروعيتها لدى أصحابها، إلى سلطة ملزمة خارج مؤسسات الدولة.
* مؤسس ومدير مركز شرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب