facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الحوكمة إلى الحكمانِيّة: مأسسة الحكمة في عصر الذكاء الاصطناعي


البروفيسور يوسف العساف
16-10-2026 09:57 AM

تُعنى الحكومة بإدارة شؤون المجتمع وتحقيق التنمية وحماية المصالح العامة، مستندةً إلى القوانين والتشريعات التي تنظّم الحقوق والواجبات، وتحمي البيئة، وتضبط الأسواق. ومع تطور الإدارة العامة، لم يعد وجود القوانين كافياً، فبرزت الحوكمة لضمان الشفافية والمساءلة والنزاهة، والتحقق من سلامة القرارات والالتزام بالقواعد.

في مجال الاستدامة، تفرض القوانين على المؤسسات الحد من الانبعاثات وإدارة النفايات والإفصاح عن آثار أنشطتها. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تهدف الحوكمة إلى حماية الخصوصية، والحد من التحيز، وضمان الاستخدام المسؤول، وتحديد المسؤولية عن النتائج.

لكن هل يكفي الالتزام بالقوانين لضمان صحة الممارسات؟ فالقوانين قد تُستغل ثغراتها، وقد تلتزم المؤسسات بحرفيتها بينما تتحايل على أهدافها. نرى ذلك في الغسل الأخضر (Greenwashing)، حين تعلن شركة عن خفض استهلاك الطاقة في مصنعها، لكنها تتجاهل زيادة تلوث المياه الناتجة عن عملياتها.

ويتكرر الأمر في غسل الذكاء الاصطناعي (AI Washing)، حين تدّعي شركة استخدام الذكاء الاصطناعي في خدماتها، بينما تعتمد فعلياً على أدوات تقليدية، مستغلةً جاذبية المصطلح لتضخيم إنجازاتها.

وقد تستخدم مؤسسة نظام ذكاء اصطناعي لاختيار الموظفين، فيستبعد النساء بصورة غير متناسبة بسبب تحيزات في بيانات التدريب، رغم تطبيق معايير موحدة على الجميع. وقد تستخدم مدينة أنظمة ذكية لتحسين حركة المرور، لكنها تجمع بيانات شخصية تتجاوز ما تحتاج إليه لتحقيق هذا الهدف.

وفي المجال العسكري، لا تكفي الدقة التقنية لنظام يحدد الأهداف لضمان سلامة القرار، خصوصاً عندما تكون المعلومات ناقصة أو يكون المدنيون معرضين للخطر.

هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الحوكمة وحدها إلى ما يمكن تسميته «الحكمانِيّة»؛ أي الحكمة في الحكم والحوكمة معاً. والمقصود ليس استبدال القانون بالاجتهاد الشخصي، بل استكمال الحوكمة ببعد أخلاقي واستراتيجي يتجاوز سؤال: «هل هذا القرار قانوني؟» إلى أسئلة أعمق: هل هو عادل؟ هل يخدم المصلحة العامة؟ من يستفيد ومن يتحمل التكلفة؟ وما آثاره البعيدة على الإنسان والمجتمع والبيئة؟

فقد يسمح القانون باستخدام مادة معينة، بينما تقتضي الحكمة دراسة آثارها التراكمية على صحة الإنسان والطبيعة. وقد تلتزم جهة حكومية بإجراءات تقديم المساعدات إلكترونياً، لكن نظامها الرقمي قد يستبعد مستحقين لا يستطيعون استخدام المنصة؛ وهنا تقتضي الحكمة توفير مسارات بديلة تضمن العدالة.

لكن كيف نطبق الحكمانِيّة عملياً، دون أن نتركها رهينة لحكمة القادة وقناعاتهم الشخصية؟ الحكمانِيّة ليست مطالبة القائد بأن يكون حكيماً، بل بناء نظام مؤسسي يجعل القرار الحكيم أكثر احتمالاً، والقرار الضار أصعب تمريراً، والتلاعب أسهل اكتشافاً، والمسؤولية أوضح تحديداً.

يتطلب ذلك إخضاع القرارات الاستراتيجية والتقنية لاختبارات مسبقة تقيس آثارها على العدالة والبيئة والخصوصية والمجتمع، وإنشاء آليات تقييم مستقلة عن الجهات المستفيدة من القرارات، مع صلاحيات لطلب التعديلات أو تعليق المشاريع عالية المخاطر. كما ينبغي اختبار القرارات في سيناريوهات مستقبلية متعددة، وقياس النتائج الفعلية بدلاً من الاكتفاء بالامتثال الشكلي، وإشراك الفئات المتأثرة، وتوثيق المبررات، وتحديد المسؤوليات، وإخضاع النتائج للمراجعة والمساءلة.

ولمنع تحوّل هذه الآليات إلى شكل جديد من الغسل المؤسسي، لا بد من معايير معلنة، وتقييم مستقل، وصلاحيات رقابية فعلية، وشفافية في النتائج. فليس كافياً أن تنشئ المؤسسة لجنة للأخلاقيات أو تصدر سياسة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي؛ بل يجب أن يكون لهذه الآليات أثر قابل للتحقق في القرارات والممارسات.

إن الحكمانِيّة لا تعني تجاوز القوانين، بل تطويرها وتطبيقها بروح المسؤولية، مع استشراف العواقب، ومراجعة النتائج، ومساءلة أصحاب القرار. وهي تجمع بين الامتثال للقانون، وسلامة الحكم، والحكمة في تقدير المخاطر، والمسؤولية عن النتائج.

الحوكمة تمنحنا الأدوات لضبط السلطة والتكنولوجيا، أما الحكمانِيّة فتمنحنا المنظومة التي تجعل الحكمة جزءاً من صناعة القرار، لا مجرد صفة نأمل أن يتحلى بها القادة





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :