لا تقف المنطقة العربية أمام سؤال الحرب والسلام بصيغته التقليدية، بل أمام معادلة أكثر تعقيدًا بكيف يمكن للدول أن تستعد لأسوأ الاحتمالات دون أن تستسلم لمنطقها، وأن تحمي أمنها الوطني دون أن تسمح للخوف بأن يرسم مستقبلها؟
ففي منطقة تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الحسابات السياسية ومصالح الطاقة والممرات البحرية، لا ينحصر الخطر في الضربة التي قد تقع، بل امتد إلى حالة الترقب التي تسبقها وما تفرضه من ضغوط على الدول والمجتمعات والاقتصادات.
فالحديث المتزايد عن احتمال اتساع المواجهات في الشرق الأوسط لا ينبغي أن يتحول إلى نبوءة بحرب وشيكة، كما لا يصح التعامل معه كمبالغة سياسية، فالتصعيد المتراكم وتعدد بؤر التوتر واتساع نطاق التهديدات، كلها عوامل تجعل الحذر ضرورة، لكنها لا تمنح القدرة على الجزم بمسار الأحداث أو توقيت تحولها إلى مواجهة أوسع، ولا سيما أن بين الاحتمال والقرار مسافة تصنعها الحسابات السياسية، وقد تضيق بفعل خطأ في التقدير، أو تتسع حين تتقدم الدبلوماسية على الاندفاع.
وفي قراءة الخطاب العربي في هذه المرحلة، يلفت الانتباه الى أن اختلاف الكلمات لا يلغي تقاطع الهواجس، وأن تعدد زوايا النظر قد يعكس إدراكًا متشابهًا لطبيعة المخاطر، وإن اختلفت الأولويات وطرائق التعبير عنها، فثمة من يضع حماية السيادة ومنع المساس بأمن الدولة في مقدمة خطابه، ومن يشدد على أن الاستعداد واجب تفرضه احتمالات التصعيد، ومن ينطلق من ضرورة وقف الحروب وصون المدنيين ومنع اتساع دوائرها، فيما تتجه مقاربات أخرى إلى التحذير من التداعيات الاقتصادية والإنسانية التي قد تتجاوز حدود المواجهة نفسها.
ولعل التحدي الحقيقي أمام المنطقة العربية لا يتمثل بمعرفة ما إذا كانت الحرب ستقع، بقدر ما يتمثل في امتلاك القدرة على منعها، والاستعداد لتداعياتها، وإن تعذّر ذلك، فالدول لا تُختبر في لحظات المواجهة وحدها، بل بقدرتها على إدارة القلق بدون أن يتحول إلى ارتباك، وبناء الجاهزية بدون الانزلاق إلى التصعيد، وصون مصالحها الوطنية بدون التخلي عن مسؤوليتها تجاه محيطها، أما بالنسبة إلى مملكتنا الحبيبة، فلم يكن حماية الاستقرار موقفًا مؤقتًا تفرضه ظروف الإقليم، بل خيار استراتيجي فرضته طبيعة موقعها ووعي قيادتها بكلفة الحروب على الشعوب ومستقبل الدول.
وفي منطقة لا تملك ترف تجاهل المخاطر، تبقى الحكمة في الاستعداد لما قد يحدث، والعمل بكل الوسائل الممكنة كي لا يحدث، وبما يملك الوطن العربي من خبرة من حروب خاضها ولم يغب عن فكره يومًا الأمن القومي العربي، فإنه الأعلم بأن الانتصار الحقيقي ليس بأن تكون الدولة مستعدة للحرب فحسب، بل أن تمتلك من الوعي والقوة والدبلوماسية ما يحفظ لها ولشعوب المنطقة فرصة السلام.
حمى الله أمتنا
حمى الله الأردن
الدستور