سُلَّم العلم وسُلَّم الأخلاق
رمزي الغزوي
21-10-2026 12:29 AM
عمون - كلما اتسعت معرفة الإنسان بالعالم، يخُيّل إليَّ أن شيئا في داخله لا بد أن يتسع معها؛ وكأن كل سر ننتزعه من الذرة والخلية والمجرة يفتح في الروح نافذة إضافية على الخير. لكن للأسف المحزن، فالتاريخ لا يوافق دائما على هذه المعادلة المريحة. فالإنسان الذي تعلم كيف يشطر الذرة لم يتعلم بالضرورة كيف يكف يده عن أخيه، والذي رسم خرائط الجينوم البشري ما زال عاجزا عن رسم حد لطمعه وغضبه ورغبته في الهيمنة.
وهنا ينفجر السؤال من مكان لا نستطيع تجاوزه: هل تصعد الأخلاق مع العلم في السُّلم نفسه؟ التجربة الإنسانية لا تمنحنا طمأنينة كافية. شعوب قديمة عاشت بأدوات شحيحة ومعارف محدودة إذا قيست بما نملكه اليوم، ومع ذلك بنت شرائع وقيم وطقوسا وروحانيات حاولت بها تهذيب الإنسان وكبح أذاه وتنظيم علاقته بالآخر. أما نحن الآن، وقد بلغنا من المعرفة ما كان سيبدو لأسلافنا ضربا من السحر، فما زلنا نخوض حروبا عديمة الجدوى، ونصنع أسلحة قادرة على محو كوكب بكامله، وننهك أمنا الأرض التي عرفنا أكثر من أي جيل سابق كم هي هشة ووحيدة وفريدة.
المفارقة قد تكمن كلها في أن الوسيلة تقدمت أسرع من الغاية. كان السيف يقتل من تصل إليه اليد، أما التقنية الحديثة فمنحت اليد مدى أبعد من كل خيال. ليست التهمة موجهة إلى العلم؛ فالعلم لا يضغط الزناد ولا يطلق الصاروخ ولا يختار الضحية. المشكلة في الإنسان الذي يحمل المعرفة قبل أن يتعلم كيف يحمل مسؤوليتها. العلم يوسّع سلطاننا على الطبيعة، لكنه لا يضمن أن تتسع رحمتنا بالقدر نفسه.
وهنا تكتسب أفكار الفيلسوف الفرنسي كلود ليفي-شتراوس معناها؛ فقد رفض اعتبار المجتمعات القديمة نسخا ناقصة من الإنسان الحديث، ورأى أن ما يسمى بالفكر البدائي هو عقل يعمل بأدوات مختلفة، يراقب الطبيعة ويصنفها ويبني منها نظاما لفهم العالم. الفارق، في نظره، ليس بين عقل كامل وآخر ناقص، بقدر ما هو بين طرائق مختلفة في إنتاج المعرفة. وهذا ما يضع حداثتنا في مأزق محرج: تطور الأدوات لا يعني بالضرورة تطور صانعها، وكثرة المعرفة لا تضمن مزيدا من الحكمة أو الرحمة.
العلم يستطيع أن يصنع دواء ينقذ ملايين البشر، ويستطيع أن يصنع وسيلة موت لم يعرف التاريخ لها مثيلا. يستطيع أن يساعدنا على حماية الأرض، ويمنحنا في الوقت نفسه قدرة أكبر على نهبها. القوة لا تحمل ضميرها معها، ونحن من يضع لها الاتجاه.
ولعل مأساة الإنسان أنه عرف عن الكون أشياء هائلة قبل أن يعرف كيف يهذب ذلك الكائن القديم القابع فيه.
طال ذراع العقل حتى لامس النجوم، فيما بقي القلب، بكل ما فيه من خوف وطمع وكراهية، يتعثر عند أول الطريق.
الدستور