facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا لا نبحث عن ممرات بديلة لسلاسل الإمداد؟


د. محمد حيدر محيلان
22-10-2026 09:55 AM

إنَّ السفينة التي تغادر أحد موانئ آسيا متجهةً إلى منطقتنا أو إلى أوروبا لم تعد تعرف، على وجه اليقين، الطريق الذي ستسلكه أو الموعد الذي ستصل فيه؛ فقد يدفعها اضطرابٌ أمنيٌّ إلى تغيير مسارها، أو ترفع تكاليفُ التأمين كلفةَ رحلتها، أو يُغلَق أمامها ممرٌّ ظلَّ لعقود جزءًا ثابتًا من حركة التجارة العالمية.

لقد كشفت الأزمات المتلاحقة أن الاعتماد على مورد واحد أو ميناء واحد أو طريق واحد لم يعد خيارًا آمنًا. ومع ذلك، لا تزال بعض الدول والمؤسسات تتعامل مع تعطُّل الإمدادات بوصفه أزمة مؤقتة؛ فتبحث، بعد وقوعها، عن سفينة بديلة أو مورد جديد، ثم تعود إلى الأسلوب القديم بمجرد انحسارها. والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو:

لماذا لا نبحث مسبقًا عن ممرات بديلة لسلاسل الإمداد؟

ما يحدث في القطب الشمالي يقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول؛ فقد بدأت شركات صينية تشغيل خط ملاحي يصل الصين بأوروبا عبر طريق البحر الشمالي بمحاذاة الساحل الروسي. وفي عام 2025، وصلت سفينة الحاويات الصينية «إسطنبول بريدج» إلى ميناء فيلكستو البريطاني خلال نحو عشرين يومًا، مقارنة بنحو أربعين يومًا عبر قناة السويس، وخمسين يومًا عند الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

لا يعني ذلك أن ممر القطب الشمالي أصبح بديلًا مكتملًا للممرات التقليدية؛ فما يزال طريقًا موسميًا تحيط به تحديات الجليد والتأمين، وضعف البنية التحتية، والمخاوف البيئية، والحسابات السياسية. لكن أهميته الحقيقية تكمن في الرسالة التي يحملها: العالم لا ينتظر عودة الطرق القديمة إلى هدوئها، بل يبحث عن طرق جديدة تحمي تجارته وتقلل اعتماده على نقاط الاختناق البحرية.

إنَّ البحث عن الممرات البديلة لا يعني رسم خطوط جديدة على الخرائط فقط؛ فالممر الفعّال يحتاج إلى موانئ وطرق وسكك حديدية ومستودعات ومراكز جمركية وأنظمة رقمية، إضافة إلى اتفاقيات تسمح بعبور البضائع بسرعة بين الدول. وقد يكون الطريق موجودًا جغرافيًا، لكنه يظل غير صالح للتجارة إذا توقفت الشاحنات طويلًا عند الحدود، أو تعددت الإجراءات والرسوم.

وينبغي أن يترافق تنويع الممرات مع تنويع الموردين؛ فوجود مورد رئيس لا يمنع تأهيل مورد ثانٍ من دولة أو إقليم مختلف. والأفضل هو الجمع بين مورد عالمي يتمتع بالكفاءة، ومورد إقليمي يختصر الزمن، ومصدر محلي يحمي تدفق المواد الحرجة. وقد لا يكون هذا الخيار هو الأرخص عند مقارنة سعر الشراء وحده، لكنه يصبح الأفضل عندما نحسب الكلفة الكلية، بما فيها التأخير والتوقف والشحن الطارئ وفقدان الأسواق.

إنَّ المرونة المنشودة في سلاسل الإمداد لا تعني تكديس المستودعات بمواد قد لا تُستخدم، بل تتطلب وجود مخزون استراتيجي ذكي، يرتفع في السلع التي يصعب تعويضها أو يطول توريدها، وينخفض في المواد المتاحة من مصادر متعددة. وتستطيع التقنيات الحديثة محاكاة توقف ميناء أو مورد، واختبار البدائل قبل وقوع الأزمة، شريطة توافر بيانات دقيقة وقيادة قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

إنَّ الأردن يمتلك فرصة مهمة في هذا المشهد؛ فموقعه الجغرافي، وميناء العقبة، وشبكة الطرق التي تربطه بدول الجوار، يمكن أن تؤهله ليكون جزءًا من ممرات إقليمية متعددة، لا مجرد محطة لعبور البضائع. لكن القيمة الحقيقية تتحقق عندما تقترن حركة العبور بالتخزين والتجميع والتعبئة والتصنيع وإعادة التصدير والخدمات الرقمية.

أصبح العالم الآن، في خضم التوترات الإقليمية والدولية، يبحث عن الطريق الآمن إلى جانب الطريق القصير، وعن المورد الموثوق إلى جانب المورد الأرخص. لذلك، فإن بناء الممرات البديلة لم يعد مشروعًا للنقل وحده، بل أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي والغذائي للدول. ومن لا يبنِ بدائله اليوم، ولا يتحوّطْ لمواجهة المخاطر، قد يكتشف عند الأزمة المقبلة أن الطريق المعتاد قد أُغلق، وأن البحث عن طريق جديد جاء متأخرًا، ولاتَ حينَ مناصٍ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :