الشرق الأوسط رهينة الحسابات الانتخابية
م. بسام ابو النصر
22-10-2026 09:57 AM
ليس من قبيل المصادفة أن تتقاطع الحسابات الانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة مع واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي يستعد فيه الإسرائيليون للتوجه إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يستعد الأمريكيون لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، وسط استقطاب سياسي حاد وتراجع في شعبية الرئيس دونالد ترامب. وبين الموعدين، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ، تتداخل فيها حسابات البقاء السياسي مع المصالح العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل المنطقة ليس فقط من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية أو أي الحزبين سيحصد الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين، بل كيف يمكن أن تتحول هذه الاستحقاقات إلى عامل مؤثر في قرارات الحرب والسلم، وما إذا كان التصعيد الإقليمي سيُستخدم لتوفير فرص انتخابية لقادة يواجهون ضغوطًا داخلية متزايدة.
بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، تبدو الانتخابات المقبلة اختبارًا لمستقبله السياسي، بل واستفتاءً على إدارته للحروب التي شهدتها المنطقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. فالرجل الذي بنى جانبًا أساسيًا من خطابه السياسي على الأمن والقوة العسكرية يجد نفسه مطالبًا بإقناع الناخب الإسرائيلي بأنه ما زال الأقدر على حماية إسرائيل وفرض شروطها، رغم الكلفة البشرية والاقتصادية، والانقسامات الداخلية، والانتقادات التي لاحقت إدارته للأحداث الأمنية والعسكرية. وقد حُدد موعد الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول، في استحقاق يضع مستقبل نتنياهو السياسي على المحك.
ومن هنا، يمكن فهم الرهان الذي قد يضعه نتنياهو على إبراز ما يعتبره إنجازات عسكرية، وتصوير المرحلة باعتبارها معركة وجودية لا تحتمل تغيير القيادة. ففي مثل هذه الظروف، يصبح الأمن القومي مادة انتخابية مركزية، وقد يحاول القائد القائم إقناع جمهوره بأن تغيير القيادة في لحظة المواجهة يحمل مخاطر أكبر من استمرارها. غير أن هذا التوظيف السياسي للحرب لا يعني بالضرورة أن كل قرار عسكري يصدر عن حساب انتخابي؛ فالحروب تتداخل فيها اعتبارات الردع والمصالح الاستراتيجية والضغوط الأمنية، لكن اقتراب موعد الاقتراع يجعل أثر الحسابات الداخلية أكثر حضورًا في قراءة القرارات.
وفي واشنطن، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالانتخابات النصفية المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل ستحدد موازين القوى في مجلسي النواب والشيوخ، حيث يتمتع الجمهوريون بأغلبية ضيقة، فيما يسعى الديمقراطيون إلى انتزاع السيطرة على المجلسين أو أحدهما. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة إلى ترامب، لأنها ستحدد قدرة إدارته على تمرير التشريعات، وتوفير الغطاء السياسي لسياساتها، ومواجهة التحقيقات والرقابة التي قد تتصاعد إذا تغيرت الأغلبية. وتشير التغطيات الحديثة إلى أن الاقتصاد وغلاء المعيشة والهجرة والحرب مع إيران باتت من القضايا المؤثرة في المزاج الانتخابي الأمريكي.
إن خسارة الجمهوريين للأغلبية في أحد المجلسين لن تعني بالضرورة توقف الإدارة الأمريكية عن العمل أو عجزها الكامل عن تنفيذ سياساتها، لكنها ستفرض قيودًا سياسية وتشريعية أكثر وضوحًا، وتمنح المعارضة أدوات أقوى للمساءلة والتحقيق والتأثير في الإنفاق والتشريعات. وفي هذه البيئة، تصبح أي مواجهة خارجية واسعة النطاق اختبارًا مزدوجًا للرئيس: اختبارًا لقدرته على إدارة الأزمة، واختبارًا لمدى استعداد الناخب الأمريكي لتحمل تكاليفها.
وهنا تبرز فرضية تستحق النقاش، هل يمكن أن يجد نتنياهو في التصعيد الإقليمي فرصة لتعزيز موقعه الانتخابي، فيما يجد ترامب نفسه أمام إغراء تبني خطاب أكثر تشددًا تجاه إيران وحلفائها، بما يتيح له الظهور بمظهر الرئيس القادر على فرض إرادته؟ إنها فرضية سياسية لا يمكن التعامل معها بوصفها حقيقة مثبتة أو اتفاقًا معلنًا بين الرجلين، لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا عن مخاطر تلاقي المصالح الانتخابية مع قرارات الحرب.
فإذا تحول التصعيد إلى مواجهة أمريكية مباشرة أو إلى عملية عسكرية واسعة، فإن واشنطن لن تكون وحدها من يتحمل الكلفة. ستتأثر أسواق الطاقة، والملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، وستجد دول المنطقة نفسها أمام خيارات أمنية واقتصادية صعبة. وقد تتجاوز الخسائر حدود الميدان لتطال الاستثمارات وخطط التنمية والاستقرار الاجتماعي، خصوصًا في الدول التي تعتمد على انسياب التجارة والطاقة عبر الممرات البحرية الاستراتيجية.
ولعل التطورات في الخليج ومضيق هرمز واليمن تكشف جانبًا من هذه المخاطر. فقد أفادت تقارير حديثة بتصاعد الهجمات على السفن في مضيق هرمز، وما رافقها من اضطراب في الملاحة وارتفاع في أسعار النفط، فيما شهد اليمن تصعيدًا عسكريًا جديدًا قرب باب المندب ومناطق استراتيجية أخرى. وهذه التطورات لا تعني أن المنطقة تتحرك وفق خطة واحدة أو أن جميع أطرافها تتقاسم الأهداف نفسها، لكنها تكشف كيف يمكن لصراعات متشابكة أن تضع أمن الطاقة والتجارة الدولية في قلب المواجهة.
والخطر الأكبر أن تتحول دول الخليج العربي إلى أطراف تتحمل جانبًا كبيرًا من فاتورة الصراع، سواء عبر استهداف المنشآت الحيوية أو تهديد الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والطاقة. فهذه الدول، التي تسعى إلى تنويع اقتصاداتها وجذب الاستثمارات وتنفيذ مشاريع تنموية بعيدة المدى، لا يمكنها أن تنظر إلى اتساع المواجهة باعتباره مجرد خلاف عسكري بين أطراف إقليمية ودولية. إن استقرارها الاقتصادي والاجتماعي مرتبط باستقرار البيئة الإقليمية، وأي اضطراب ممتد قد يبدد موارد كان يفترض أن تتجه إلى التنمية بدلًا من الاستنفار الأمني.
وفي اليمن، لا تقتصر المسألة على تبادل الهجمات أو السيطرة على ممر بحري، بل تتصل بمستقبل الدولة نفسها، وبقدرتها على الخروج من دائرة الانقسام والحرب. وفي العراق وسوريا، تكشف التجارب الماضية كيف يمكن للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية أن تضعف المؤسسات الوطنية، وتفتح المجال أمام قوى متعددة للتنافس على النفوذ والموارد والقرار السياسي. ولا يعني ذلك أن هذه البلدان تخضع لمسار واحد أو أن كل ما جرى فيها كان نتيجة مشروع متكامل، لكن النتيجة المتكررة كانت تراجع قدرة الدولة الوطنية على حماية مصالحها، وارتفاع كلفة إعادة البناء، واتساع هامش التدخل الخارجي.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين السيطرة العسكرية المباشرة والسيطرة بأدوات أخرى. فاحتلال الأرض لم يعد الوسيلة الوحيدة لفرض النفوذ، كما أن كلفته السياسية والعسكرية باتت مرتفعة في بيئة ترفض فيها قطاعات واسعة من الشعوب العربية استمرار الاحتلال والتوسع الإسرائيلي. ويمكن للنفوذ أن يتخذ أشكالًا اقتصادية أو أمنية أو تكنولوجية، أو يمر عبر ترتيبات سياسية وتطبيع للعلاقات، أو من خلال ربط الأسواق والممرات التجارية وشبكات الطاقة بمصالح القوى الأكثر قدرة على فرض شروطها.
إن التطبيع، في حد ذاته، لا يقود بالضرورة إلى التبعية، كما أن التعاون الاقتصادي لا يمثل تلقائيًا تهديدًا للسيادة. لكن المشكلة تبدأ عندما تُبنى الترتيبات الإقليمية في ظل اختلال واضح في موازين القوة، أو عندما تصبح الحاجة إلى الأمن والاستثمار مدخلًا لفرض شروط سياسية واقتصادية لا تستطيع الدول المعنية تعديلها. وفي هذه الحالة، قد يتحول النفوذ إلى وسيلة لتقييد القرار الوطني، حتى من دون وجود قوات أجنبية على الأرض.
أما إسرائيل، فقد تجد في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية فرصة لتوسيع حضورها الاقتصادي والأمني والسياسي، ولا سيما إذا انشغلت الدول المحيطة بها بأزماتها الداخلية وتراجعت قدرتها على تنسيق مواقفها. لكن هذا المسار يصطدم بعقبة لا يمكن تجاهلها، فالمجتمعات العربية لا تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا تجاريًا يمكن تجاوزه بمجرد عقد اتفاقات بين الحكومات. وما دام الاحتلال قائمًا، وما دامت الحقوق الفلسطينية الأساسية بعيدة عن تسوية عادلة، فستظل شرعية التطبيع وحدود التعاون مع إسرائيل موضع خلاف شعبي وسياسي واسع.
وهذا العامل يجعل مهمة الولايات المتحدة في بناء منظومة إقليمية مستقرة وفق مصالحها أكثر صعوبة مما قد توحي به الاتفاقات الرسمية. فالعلاقات بين الدول لا تُختزل في توقيع الوثائق، والاستقرار الذي لا يستند إلى قبول سياسي وشعبي يظل معرضًا للاهتزاز عند أول أزمة كبيرة. وقد تنجح الضغوط في فرض ترتيبات مؤقتة، لكنها لا تضمن إنتاج سلام مستدام، خصوصًا إذا بقيت أسباب الصراع الأساسية من دون معالجة.
إن الرهان على معركة قصيرة، إذا وُجد لدى أي من أطراف المواجهة، قد يكون أخطر من الرهان على حرب طويلة معروفة الكلفة. فالمواجهة التي تبدأ بهدف تحسين الموقع التفاوضي أو تحقيق مكسب انتخابي يمكن أن تتسع بفعل ردود الفعل المتبادلة، وتتحول إلى صراع يصعب التحكم في مساره أو تحديد موعد نهايته. وقد يجد الجيش الأمريكي نفسه أمام التزامات ميدانية متزايدة، فيما تتحمل دول المنطقة آثارًا أمنية واقتصادية لا تملك وحدها قرار وقفها.
كما أن محاولة توظيف الحرب في الانتخابات قد تنقلب على أصحابها. فقد يرى الناخب الإسرائيلي أن استمرار العمليات لا يحقق أمنًا مستدامًا، وقد يحمّل الناخب الأمريكي إدارته مسؤولية ارتفاع الأسعار أو سقوط الجنود أو اتساع الالتزامات العسكرية الخارجية. فالقوة العسكرية قد تمنح القادة فرصة لإظهار الحزم، لكنها لا تضمن وحدها الفوز الانتخابي، ولا تعفيهم من مساءلة الجمهور عن النتائج النهائية.
وفي هذا السياق، لا بد من النظر إلى الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية باعتبارها لحظة كاشفة لمعضلة أعمق: هل ستظل المنطقة ساحة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية للقوى الكبرى والإقليمية على حساب استقرار شعوبها، أم تستطيع دولها تحويل المخاطر الراهنة إلى فرصة لبناء موقف عربي أكثر تنسيقًا واستقلالًا؟
إن مواجهة هذه التحديات لا تكون بمجرد الشعارات أو ردود الفعل المتفرقة، بل بتعزيز التعاون العربي في حماية الممرات البحرية، وتبادل المعلومات، وتأمين البنية التحتية الحيوية، وتطوير شبكات التجارة والطاقة، وتنسيق المواقف الدبلوماسية. كما تتطلب دعم استقرار الدول التي أنهكتها الحروب، ورفض تحويل أزماتها إلى مداخل دائمة للتدخل الخارجي، وإعطاء القضية الفلسطينية مكانتها المركزية في أي تصور جاد للأمن الإقليمي.
في النهاية، قد يفوز نتنياهو أو يخسر، وقد يحتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم أو ينتقل أحد مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين. لكن هذه النتائج، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب السؤال الأهم: من سيدفع ثمن القرارات التي تُتخذ تحت ضغط الانتخابات؟ إذا كانت الإجابة هي شعوب المنطقة، واقتصاداتها، ومستقبل أجيالها، فإن الخطر يتجاوز مصير حكومة أو حزب، ليصبح تهديدًا لاستقرار إقليمي كامل.
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة تُستخدم لتثبيت زعيم في السلطة أو لإنقاذ حزب من خسارة انتخابية، بل يحتاج إلى تسوية تعالج جذور الصراع، وتحمي سيادة الدول، وتضمن حقوق الشعب الفلسطيني، وتمنع تحويل الأمن إلى ذريعة دائمة لإعادة توزيع النفوذ والثروة. أما إذا ظلت صناديق الاقتراع في مكان، وميادين الحرب في مكان آخر، لكنهما تتحركان وفق الحسابات السياسية نفسها، فإن المنطقة ستبقى معرضة لدفع أثمان قرارات لم تكن شعوبها طرفًا حقيقيًا في صنعها.