شهداء الكنيسة هم ضحايا الفكر التكفيري التخويني
أ.د. خلف الطاهات
25-10-2026 03:54 PM
لم يبدأ الخطاب التكفيري في الأردن يوم استُهدفت كنيسة حمود في الكرك قبل ايام، ولم يولد لحظة ضغط القتلة المجرمين على زناد بنادقهم. لقد بدأ قبل ذلك بسنوات، حين استُبيح الأردن بالتخوين، وشُوّهت مواقفه الأصيلة في قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وكأن الدولة مطالبة بممارسة «الانتحار الجماعي» واللطميات والبكائيات الدائمة لإثبات أنها ليست خائنة ولا عميلة، وأنها لم تبع شبرا ولم تساوم على حق عربي.
ذلك الخطاب لم يكن مجرد انفعال عابر أو غضب سياسي مشروع؛ إنما تحول، في لحظات كثيرة، إلى بيئة حاضنة للكراهية ونزع الشرعية الوطنية. كنا نراه عقب صلوات الجمعة، حين تتعالى الصيحات والتكبيرات، ويتسابق الانتهازيون أمام الكاميرات والمنصات التي جعلت من الطعن بالأردن وأهله وأجهزته وقيادته مادة يومية للتحريض. وقد أُعطي أشخاص لا همّ لهم سوى التشويه مساحة وصوت وحضور أكبر من حجمهم الحقيقي، حتى بدا وكأن الإساءة إلى الوطن أصبحت بطولة، وأن التشكيك في انتماء الآخرين صار دليلا على الإيمان والوطنية.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بانتقاد السياسات أو مساءلة المسؤولين، وهي حقوق أصيلة في أي مجتمع، بل ينقل الخلاف إلى منطقة التكفير والتخوين والتجريد من الوطنية. وحين يُقدَّم الأردن بوصفه «حليفاً للطاغوت» أو «عميلاً» أو «خائناً»، فإن النتيجة الطبيعية لهذا التوصيف ليست الحوار، بل استباحة الدولة والمجتمع والإنسان. فالكلمات التي تُطلق بلا مسؤولية قد تتحول، في بيئة متطرفة، إلى رصاص يستهدف مسجدا، أو كنيسة أو جنديا أو مواطنا أعزل.
من هنا، فإن استهداف الكنيسة ليس حادثة منفصلة عن سياقها الفكري والسياسي. إنه اعتداء على جوهر الدولة الأردنية، وعلى فكرة المواطنة التي لم تجعل المسيحي الأردني يوماً أقلية بالمعنى الذي يراد فرضه من خارج التجربة الوطنية. المسيحي الأردني شريك في التاريخ والدم والهوية، وحضوره ليس تفصيلا عدديا، بل جزء من اكتمال النصاب الوطني والثقافي والإنساني للأردن.
إن صناعة البؤس والغل والثأر من الأردن وأهله لم تكن بريئة. فحين تتراكم خطابات الكراهية، وتُمنح المنابر لمن يحرّضون على الدولة ومؤسساتها، يصبح المجتمع أكثر عرضة للاختراق من قبل الفكر الداعشي وسائر التيارات المتطرفة. ولذلك فإن مواجهة الجريمة لا ينبغي أن تتوقف عند ضبط المنفذين، بل يجب أن تمتد إلى تفكيك البيئة التي أنتجت هذا العنف وتشمل المنابر المحرّضة، واللغة التكفيرية، والتبرير السياسي للعنف، ومحاولات احتكار الوطنية والدين معا.
الأردن لا يحتاج إلى إثبات وطنيته عبر الانتحار السياسي أو المزايدات أو البكائيات. مواقفه وتضحياته وتاريخه تشهد له. وما يحتاجه اليوم هو خطاب مسؤول يرفض التخوين كما يرفض الإرهاب، ويفصل بين النقد المشروع والتحريض، وبين الدفاع عن فلسطين وتحويلها إلى ذريعة للطعن في الأردن. ففلسطين لا تُنصر بإحراق البيت الأردني، والعدالة لا تتحقق بتكفير المجتمع، والكرامة لا تُبنى على دم الأبرياء.
إن حماية الأردن تبدأ من حماية لغته الوطنية وهي لغة تجمع ولا تفرّق، وتنتقد بلا تخوين، وتختلف بلا تكفير، وتواجه الإرهاب من جذوره قبل أن يتحول إلى جريمة جديدة.