الدولة أولًا .. في سؤال الهوية الأردنية
سامح المحاريق
26-10-2026 03:47 PM
فكرتا الهوية والسردية أكثر خطورةً مما تخيلنا، لأننا اعتبرنا أن الدولة هي نتاجٌ لتفاعل اجتماعي، ولكن في الأردن لم تكن الحالة على هذه الشاكلة تمامًا، فالأصل كان الدولة وهي المنجز الكبير الذي استطاع أن يجمع بين الأردنيين، وأن يشكل إطارًا لتطور هوية وطنية معاصرة، وعندما تصبح الدولة هي المدخل لفهم الوجود الوطني، فإن المواطنة تكون هي الثمرة التي يجب أن نعتني بها وأن نحملها بوصفها مقدمةً لهويةٍ معاصرةٍ وفاعلةٍ وإيجابية، وسردية تستحق أن نقف عندها طويلًا، لأنها هي التي يمكن أن تترجم حتى في الطريقة التي يتلقى بها موظفو الحدود جواز السفر الأردني، فهو وإن كان يحمل خطابًا من الملك يطلب من جميع الحكومات الصديقة أن تسمح للأردني بحرية المرور دون تأخير أو إعاقة، وتقديم ما يحتاج إليه من المساعدة والحماية، فإن وراءه رصيدًا طويلًا من العمل الذي قامت به الدولة والأجيال المتعاقبة من الأردنيين.
بدأت هذه التأملات تراودني وأنا أقف مع زميلة من دولة عربية كنت وصلت إلى فرانكفورت معها لحضور أحد المؤتمرات، وأنهيت عملية مروري من الجوازات خلال أقل من دقيقة، بينما أخذت معاملتها أكثر من عشر دقائق، وتأدبًا انتظرتها لتنهي الإجراءات، وعندما خرجت قالت بما معناه إن الأردنيين لا يعانون شيئًا مما نعانيه، ودائمًا ما ينجزون عبورهم بصورة أفضل.
جزء من هذه الحالة يتمثل في الرصيد الذي بناه الأردن منذ تأسيسه، من علاقاته الدولية ومنطقه في إدارتها، ومن كفاءة المهنيين الأردنيين والأخلاق التي حملتها الجاليات الأردنية أينما حلت وارتحلت، ومما يشاهده الزوار من ضيافة أردنية واستعداد للدعم والمساعدة، وعوامل أخرى كثيرة، فالمواطن يمكن أن يستفيد من رصيد الدولة ومكانتها حتى في الأماكن التي لا يعرفه فيها أحد، ولا يعرفون عنه شيئًا سوى أنه يحمل جواز سفرها.
كنت أقول دائمًا إن كثيرًا ممن يعبرون عن السخط والاستياء يحتاجون إلى جولةٍ صغيرةٍ للعيش لبعض الوقت في دول عربية أخرى، خاصة ممن امتلكت موارد كبيرة وبدأت مسيرة التنمية وبناء المؤسسات قبل الأردن، ولكنها لم تستطع أن توفر شيئًا مماثلًا لأهلها، ومع ذلك فإن ما تحقق في الأردن لم يكن مجانيًا، فوراءه كثير من التدبيرات والتوافيق والتباديل التي كانت تبذل بطريقة أو بأخرى من أجل تمويل المعادلة الأردنية، والمحافظة على استمرارها في ظروف لم تكن مريحة في معظم الأوقات.
الجميع كان شريكًا في هذه الرحلة، ومنذ التأسيس كان الأردن يسعى لأن يصبح بيتًا للجميع ممن يقدمون لهذا البلد وأهله، وخلال عقود قليلة أصبح الأردن الذي كان إقليمًا لا يحظى بالعناية اللازمة أو الكافية من الدولة العثمانية بلدًا يصدر الكفاءات البشرية للدول العربية الأخرى وخاصة في الخليج، وأسس جيشًا شارك في الحروب العربية الكبرى، وبنى مؤسسات استطاعت أن تتجاوز في نتائجها كثيرًا من المقدمات والموارد التي توفرت لها، وكانت الدولة نفسها هي المجال الذي تفاعلت فيه المكونات الاجتماعية المختلفة، وأخذت من خلاله تتشكل هوية وطنية تتسع للجميع.
هذه الرحلة هي الأولى بأن تكون موضوعًا لسردية أردنية، ولتشكيل جوهر الهوية الوطنية، أما أن يكون الحوار الذي تنطق به بعض الجماعات مثل وصف مكون حضاري عميق للغاية بالضيوف أو المستأمنين أو أي وصف آخر، فهذه مسألة غير مقبولة، وفتحت لها الباب الاجتهادات الهوياتية التي لم تكن ضرورية طالما أن القانون هو الذي يحدد المواطنة وحقوقها وواجباتها، مع تفهمٍ لمخاوف كثيرة يولدها وضع الأردن بوصفه دولة طوق ومواجهة، وما يرتبط بذلك من أسئلة تاريخية وسياسية لم تتوقف عن الحضور في الحياة الأردنية.
أعادت حادثة الاعتداء على كنيسة الكرك وما خلفته من ضحايا طرح أسئلة كنت أعتقد أننا تجاوزناها منذ زمن، خاصة مع ظهور خطاب يوصي بحسن معاملة المسيحيين بوصفهم ضيوفًا أو مستأمنين أو جماعة تستحق الرعاية والحماية، وفي الحقيقة فإن المسيحي الأردني لا يحتاج إلى هذه التوصيات من أجل أن يحصل على حقوقه أو يشعر بالأمان في بلاده، فهو مواطن كامل المواطنة، ولم يأت إلى هذه الدولة ضيفًا عليها، ولم يمنحه أحد حق الإقامة فيها أو المشاركة في بنائها، ومن المؤسف أن نعود بعد أكثر من قرن على تأسيس الدولة إلى البحث في المرجعيات الدينية من أجل أن نقرر كيف يجب أن نتعامل مع مواطن آخر، بينما يفترض أن يكون الدستور والقانون قد حسما هذه المسألة منذ زمن طويل.
ولا أجد مشكلةً في أن يدعو المتدينون إلى حسن معاملة الآخرين انطلاقًا من مرجعياتهم الدينية، فذلك جزء من أخلاق المجتمع وتقاليده، ولكن تظهر المشكلة عندما يصبح حسن المعاملة بديلًا عن الحق، وعندما يتصرف أحدهم وكأنه يمتلك امتيازًا يتيح له أن يمنح الآخر الأمان والقبول، فالمسيحي الأردني لا يحتاج إلى تسامح أحد معه حتى يكون مواطنًا، ولا يحتاج إلى أن يقدم شهادةً في عمق جذوره التاريخية أو إسهام أجداده في بناء البلاد حتى يحصل على المكانة نفسها التي يحصل عليها غيره من المواطنين.
لا أستطيع أن أتعامل مع سردية ترى في الأردن ولايةً تابعة لدولة خلافة، أو إقليمًا تابعًا لعاصمة عربية تصدر نسختها القومية، وكذلك لا أريد سرديةً جديدة تعيد توزيع الأردنيين على مراتب من الأسبقية والأحقية، لأن السردية الأساسية هي التي جعلت الأردن دائمًا في موقع أكبر من إمكانياته، ويحقق نتائج أبعد بكثير من المقدمات التي توفرت له، وكل ذلك كان بجهود الأردنيين الذين نظروا للدولة بأنها منجزهم التاريخي وفرصتهم من أجل أن يضعوا الحكمة المتوارثة والخبرة التاريخية المتراكمة في خدمة منظومة الدولة.
المواطن الأردني لا يفترض أن نعتبره شخصًا يعرف نفسه بناءً على دينه، فالدين مسألة تتعلق بالسماء والله عز وجل، والممارسة الدينية تستهدف رضاه وتسعى لجزائه، وهدف الدولة أن توفر للمتدينين البيئة التي تجعلهم يمارسون طقوسهم بوصفها من حقوقهم الأصيلة، أما الدولة نفسها فهي كيان سياسي وقانوني ينظم العلاقات بين المواطنين، ويحدد حقوقهم وواجباتهم، وفوق القانون يأتي الدستور الذي يستند إلى مبادئ إنسانية عامة تتلاقى مع المبادئ الدينية التي لم تقتصر على الإسلام، ولكنها تتصل بفكرة وجود الإنسان وخلافته في الأرض وواجبه تجاه غيره من البشر، وفي هذه البيئة لا مجال لأن يعتبر أي شخص نفسه محاطًا بأي ميزة لا يقرها القانون ولا يجيزها لمجرد أنه اكتسبها عند ولادته، أو اقتنع بها من خلال بنية أيديولوجية تبناها في حياته.
وفي الأردن، حيث ينص الدستور على أن الإسلام دين الدولة، فإنه ينص أيضًا على المساواة بين الأردنيين أمام القانون، وهذه المساواة هي التي ينبغي أن تنظم علاقة المواطن بالمواطن الآخر، فلا يصبح اختلاف الدين سببًا في اكتساب حقوق إضافية أو الانتقاص من حقوق قائمة، ولا تكون المرجعية الدينية لأي جماعة أساسًا لتحديد مكانة الجماعات الأخرى داخل الدولة، فلكل شخص أن يؤمن بما يشاء وأن يمارس معتقداته في إطار القانون، ولكن الدولة التي تجمعهم جميعًا يجب أن تبقى قادرة على التعامل معهم بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
هذه هي الدولة الحديثة، وفي الأردن جميعنا استفدنا من الدولة، وجميعنا بذلنا من أجلها، ولا يجوز بأي صورة أن يتم الافتئات على الدولة التي أوصلتنا إلى أن نكون في هذه المكانة، أو أن نستهلك رصيدها التاريخي في اجتهادات تعيدنا إلى البحث في أصول المواطنين وأديانهم ومنابتهم، ومع ذلك فإن المحافظة على هذا المنجز تتطلب أن تستمر الدولة في توفير العدالة وتكافؤ الفرص وحماية الحقوق، وأن يشعر كل مواطن بأنها دولته وأن له فيها المكانة نفسها التي يتمتع بها غيره، فالمواطنة لا يمكن أن تستمر بوصفها مجرد رصيد تاريخي نعتز به، وإنما تحتاج إلى عمل مستمر يجعلها حقيقةً يعيشها الأردنيون في تفاصيل حياتهم.
والدولة في النهاية هي المواطن الآخر، الشريك الكامل وغير المنقوص، والذي لا يقبل أي تعريف خارج القانون، لا من دين ولا عرق ولا منبت، وهي المنجز الذي يجعلنا جميعًا شركاء في بلد واحد، من غير أن يحتاج أحدنا إلى أن يمنح الآخر حقه في أن يكون أردنيًا.