الأردن وطن واحد: لا يفرقنا الدين ويجمعنا الأردن والعشيرة
د. أحمد عويدي العبادي
26-10-2026 09:23 PM
لقد أوجعتني حادثة حمود الكرك واوجعت كل أردني، وألمّت بالوجدان الوطني من أقصاه إلى أقصاه، وكان الحزن عليها أكبر من أن يُحصر في أسرة أو عشيرة أو جماعة دينية. لقد شعر الأردنيون بأن ما أصاب أهلها أصابهم جميعًا، وبكوا بقلوبهم قبل عيونهم، لأن روابطنا الاجتماعية والعشائرية والوطنية أعمق من كل محاولات التفريق، ولأن المصاب
الذي يمس كرامة الإنسان وأمن المجتمع يمسنا جميعًا، بصرف النظر عن الدين أو العشيرة.
ومن هنا، فإن أي محاولة للطعن في وطنية العشائر المسيحية الأردنية أو التشكيك في أصالة انتمائها إلى هذه الأرض ليست طعنًا فيها وحدها، بل طعن في المجتمع الأردني
كله، وفي تاريخ العشائر التي جمعتها الأرض والقرابة والأحلاف والمصالح والمصائر عبر قرون طويلة. فنحن أبناء وطن واحد، وأهل هذه البلاد الأصليون، وشركاء في هويتها وتاريخها وشرعيتها الوطنية، ولا يملك أحد حق توزيع صكوك الوطنية على الأردنيين بحسب ديانتهم.
لقد عرفت أرض الأردن المسيحية قبل الإسلام، وتشهد على ذلك كنائسها التاريخية وآثارها ونقوشها، وهي شواهد على رسوخ الوجود المسيحي في هذه البلاد. وكانت بين القبائل والعشائر الأردنية جماعات تدين بالمسيحية، ثم دخلت عائلات وفروع منها في الإسلام، فيما بقي إخوة وأقارب لهم على دينهم. ولم يكن اختلاف العقيدة سببًا لمحو الأنساب أو قطع صلات الرحم أو إنكار حق أحد في أرضه ووطنه. وقد بقيت الروابط العشائرية والاجتماعية تجمع الناس، لأن العشيرة لم تكن مجرد رابطة اسم، بل كانت نسبًا وجوارًا ووفاءً وتكافلًا ومصيرًا مشتركًا.
ونحن من جذام، وهي قبيلة عرفت المسيحية في فروع منها قبل الإسلام، ثم دخلت جماعات منها في الإسلام، وبقيت المسيحية دينًا لبعض الجماعات في المجتمع الأردني. وهذه الحقيقة التاريخية تذكرنا بأن التحول الديني لم يكن يومًا مبررًا لإنكار القرابة أو الانتقاص من حقوق من بقي على دينه. لقد اختلفت عقائد بعض الأجداد، لكنهم ظلوا أبناء الأرض نفسها، وتواصلت بينهم روابط المجتمع والعشيرة، ولم يكن اختلاف الدين في ذاته سببًا مشروعًا للطعن في أصل أحد أو وطنيته.
وهذا المعنى ليس مجرد عرف اجتماعي توارثه الأردنيون، بل يقوم على أصل ثابت في تعاليم الإسلام التي قررت حرية الاعتقاد، وأوجبت العدل والإحسان، وحرّمت الظلم والاعتداء على كرامة الإنسان وحقوقه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256)، وقال عز وجل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8). ولم يكتفِ القرآن بإقرار البر والعدل، بل جعلهما واجبًا حتى مع من نختلف معهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90).
وجاءت السنة النبوية مؤكدة حرمة الظلم والاعتداء على حقوق غير المسلمين الذين يعيشون في أمان وعهد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا مَن ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» (رواه أبو داود). وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن قتل معاهدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة» (رواه البخاري). كما قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» (رواه مسلم)، وهو توجيه يرسخ رفض الظلم والاحتقار، ويحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.
فإذا كان الإسلام قد أمر بالبر والقسط، ونهى عن الظلم والعدوان، فكيف يستقيم أن يجعل أحدٌ اختلاف الدين ذريعة للإساءة إلى جاره، أو التشكيك في وطنية ابن عشيرته، أو الانتقاص من حقوق مواطنه؟ إن المواطنة الأردنية لا تنتقص بسبب اختلاف المعتقد، والانتماء إلى الوطن لا يُمنح على أساس الدين، بل يقوم على الحقوق والواجبات المشتركة، وصون الكرامة، والوفاء للأرض وأهلها. ومن يعتدي على كرامة الأردني المسيحي أو يشكك في إخلاصه لوطنه، إنما يعتدي على مبدأ العدل الذي أمر به الإسلام، وعلى وحدة المجتمع الأردني التي حفظتها روابط التاريخ والعشيرة والمصير المشترك.
إن المسيحية، كما الإسلام، تدعو إلى الرحمة والمحبة والإحسان والوئام، وقد عاش الأردنيون من أبناء الديانتين في إطار اجتماعي تشابكت فيه الأفراح والأحزان وكانوا من فروع قبائل واحدة فكل قبيلة كان فيها فروع اعتنقت الإسلام وأخرى بقيت على النصرانية، وتداخلت فيه صلات الرحم والقرابة والجيرة والتعاون وصار المثل الأردنية (كل من هو على دينه الله يعينه) أي لا يجوز اكراهه بما يخالف دينه ولا يجوز الاقصاء بسبب الدين لانه بين العبد وربة
لذلك يفرح المسلم لفرح أخيه المسيحي لانهم أصلا منن قبيلة واحدة، ويحزن لحزنه، ويقف إلى جانبه في الشدائد، كما يفعل المسيحي مع أخيه المسلم. لم يكن الدين في جوهر تعاليمه سببًا للعداء، ولم يكن اختلاف العقيدة مبررًا لقطع المودة أو التنكر لحق الجار والقريب وصلة الرحم وارضاع الأطفال. بل إن احترام الإنسان وصيانة كرامته وحماية حقه من مقتضيات القيم الدينية والأخلاقية الإسلامية والمسيحية التي تجمعنا.
تشكّل المجتمع الأردني عبر قرون طويلة من روابط العشيرة والقرابة والجوار والتحالفات الاجتماعية والمصالح المشتركة، ولم يكن الدين وحده هو الذي ينظّم علاقاته أو يحدد انتماءاته. فقد جمعت العشيرة الواحدة أبناءً اختلفت معتقداتهم، وظلت بينهم روابط النسب والمصاهرة والجوار والتكافل، يتقاسمون الأفراح والأتراح، ويتناصرون في الشدائد، ويحفظون ما بينهم من عهود وحقوق.
ومن هنا، فإن استيراد أفكار الإقصاء والتشكيك، أو ترويج خطاب الكراهية الذي يصنّف الأردنيين ويضعهم في مواجهة بعضهم على أساس الدين، يمثل خروجًا على تاريخ المجتمع الأردني وقيمه الأصيلة، ومناقضةً لمبادئ العدل والرحمة التي يدعو إليها الإسلام والمسيحية على السواء.
كما يشكل تهديدًا لوحدة المجتمع ونسيجه المتوارث، ويخدم كل من يسعى إلى بث الفرقة وإضعاف الوطن، مهما اختلفت مصادر هذه الأفكار أو دوافع مروّجيها. فالأردن لا يقوى بإقصاء أبنائه، بل بوحدتهم، ولا تُصان كرامته بالتشكيك في وطنية بعضهم، بل بالاعتراف بحق الجميع في الانتماء والمواطنة الكاملة.
إن وطنية العشائر المسيحية الأردنية كما وطنية العشائر المسلمة ليست أي منهما موضع نقاش، كما أن أردنية المسلم او المسيحي ليست بحاجة إلى شهادة من أحد. نحن أبناء هذه البلاد، وأهلها الاصليون منذ زمن الثنية والمسيحية والإسلام , نحن جميعا الذين ارتبطوا بأرضها وتاريخها ومصيرها، ولا يجوز أن يتحول الدين إلى أداة لفرز المواطنين أو الانتقاص من شرعية انتمائهم.
والطعن في هوية العشائر المسيحية او الإسلامية هو طعن في الروابط التي جمعتنا، وصلة الارحام التي بيننا , وفي تاريخ المجتمع الأردني الذي لا يمكن فهمه إلا بوصفه نسيجًا متداخلًا منصهرا من العشائر والعائلات والديانات والمصالح المشتركة.
إن حادثة حمود الكرك وما أثارته من ألم ووجع لدى الأردنيين جميعًا وانا منهم , يجب أن تدفعنا إلى التمسك بوحدتنا، ورفض كل خطاب يزرع الشك والكراهية بين أبناء الوطن الواحد. فالجريمة لا تبرر التعميم والتجريم خبط عشواء، والخلاف لا يبرر الانتقام، والاعتناق الديني لا يسقط حق الإنسان في الأمن والكرامة والانتماء.
إن مواجهة الإساءة تكون بالعدل وسيادة القانون، وتكون حماية المجتمع بصون روابطه، لا بفتح أبواب الاتهام والتشكيك. ثم التفرقة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الأنفال، الآية 46).
وهذه المبادئ من الرحمة والوئام ليست خاصة بتعاليم الإسلام وحده، بل نجد ما يقابلها في الإنجيل، حيث دعا السيد المسيح عليه الصلاة والسلام إلى معاملة الناس بالعدل والمحبة، فقال: «فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم» (إنجيل متّى 7: 12)، وقال: «تحب قريبك كنفسك» (إنجيل متّى 22: 39). وجاء في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية: «إن كان ممكنًا، فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس» (رومية 12: 18)، وكذلك: «لا تُغلب من الشر بل اغلب الشر بالخير» (رومية 12: 21).
وهكذا تلتقي تعاليم الإسلام والمسيحية في الدعوة إلى العدل والرحمة والمحبة والسلام، ورفض الظلم والكراهية والعدوان. ومن ثم، فإن الإساءة إلى الأردني بسبب دينه، أو التشكيك في وطنيته بسبب عقيدته، تتعارض مع هذه القيم الدينية والإنسانية في الإسلام والمسيحية، وتناقض ما يجمع الأردنيين من تاريخ وعشيرة وجوار ومصير مشترك.
نقول للجميع ولمن في قلوبهم مرض: لا توهموا فالأردن أكبر منكم جميعا ومن محاولات التفريق، وأعمق تاريخًا من الأفكار الطارئة التي تريد أن تجعل الدين حدًا فاصلًا بين أبناء العشيرة الواحدة والوطن الواحد. المسلم والمسيحي شريكان في الأرض والتاريخ والمصير والوطنية والهوية والشرعية، وكل اعتداء على كرامة أحدهما أو طعن في وطنيته يمس كرامة الجميع.
فلا تجعلوا الدين سلاحًا لتمزيق ما جمعته القرابة، وانتم ابعد الناس عن الدين , ولا تسمحوا لأحد أن ينال من أردنية إنسان بسبب عقيدته. لقد عاش أجدادنا إخوة وجيرانًا وأبناء عشائر، وعلينا أن نحفظ لأبنائنا هذا الإرث، وأن نترك لهم وطنًا يتسع للجميع، تقوم فيه العلاقة على العدل والاحترام والوفاء.
إننا أردنيون، كمسلمين ومسيحيين، يجمعنا وطن واحد، وتربطنا أرض واحدة، وتاريخ ومصير مشتركان. ولحمة اجتماعية واحدة , ولن يكون اعتناق الدين سببًا مشروعًا للفرقة ما دمنا متمسكين بقيمنا الدينية والأخلاقية واصولنا العشائرية التي نبعنا منها جميعا، ونحن نتمسك بحق كل أردني في الكرامة والمواطنة والانتماء. هذه هي حقيقة الأردن التي يجب أن نحميها، وهذا هو العهد الذي ينبغي أن يبقى بين أبنائه. (انتهى المقال الاثنين 26/10/2026)