حين وعد الملك… أشرقت الحقيقة من فجر الكرك
بهاء الشنتير
26-10-2026 09:43 PM
ثلاثة أيامٍ من المتابعة الحثيثة، ودقائق من المواجهة، وفجرٌ انتهت عنده المطاردة بالقبض على المتهمين الثلاثة. هكذا انتقلت جريمة الكرك من صدمةٍ هزّت وجدان الأردنيين إلى مرحلةٍ جديدة من المساءلة القانونية؛ في مشهدٍ أعاد التأكيد أن الدولة لا تترك الجريمة تختار نهايتها، ولا تسمح للوقت بأن يتحوّل إلى ملاذٍ لمن يعبث بأمن الوطن.
من الكرك، قال جلالة الملك عبدالله الثاني: «دم الشهداء غالي علينا». لم تكن العبارة مواساةً عابرة في حضرة الفاجعة، بل تعبيرًا عن مسؤولية الدولة تجاه الضحايا وذويهم، وعن حقٍ لا يجوز أن يضيع في زحام الأيام. ثم جاءت تغريدة جلالته اليوم عبر منصة «إكس» لتؤكد أن النشامى لاحقوا المتهمين إلى أوكارهم، وأن الإرهابيين لن يفلتوا من العقاب، وأن من يروّج لفكرٍ يسعى إلى تقسيم الأردنيين لن يفلت من العدالة.
وجاءت رسالة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لتؤكد المعنى ذاته من زاوية الوفاء لأهل الكرك؛ إذ أعلن أن نشامى الأمن أوفوا بوعدهم بإلقاء القبض على مرتكبي الجريمة، مشددًا على أن إرهابهم وجرائمهم لن تهز عزيمة الأردنيين. بين كلمة الملك وتأكيد ولي العهد، لم تبقَ المسؤولية في حدود الخطاب؛ فقد وصل العمل الأمني إلى لحظة التنفيذ، وأُعلن القبض على المتهمين الثلاثة فجر اليوم.
ثلاثة أيامٍ من التتبع، ودقائق المواجهة، وفجرٌ انكشف فيه المخبأ. لم يكن ذلك مجرد انتهاء مطاردة، بل محطةً تؤكد أن حماية الأردنيين عملٌ متواصل، وأن الوفاء للشهداء يبدأ بالملاحقة الجادة، ويمضي عبر التحقيق وجمع الأدلة، ولا يكتمل إلا بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء. فالقبض على المتهمين خطوةٌ مهمة، أما الحقيقة كاملةً والعدالة الناجزة فهما أمانة المرحلة التالية.
وفي قلب هذا الإنجاز تقف منظومة وطنية متكاملة؛ المخابرات العامة بما تؤديه من أدوار استخبارية ومعلوماتية، والأمن العام بما يضطلع به من تحقيق وملاحقة وإنفاذ للقانون، والجيش العربي بما يمثله من حصانة السيادة وكرامة الوطن، وسائر الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تتكامل جهودها لحماية الأردن. لكل مؤسسة اختصاصها، لكن البوصلة واحدة: أمن الوطن، وصون حياة أبنائه، ومنع الخطر من أن يتحوّل إلى تهديدٍ دائم لاستقرارهم.
ومن كل بيت أردني، إلى نشامى المخابرات العامة، والجيش العربي، والأمن العام، وسائر الأجهزة الأمنية والعسكرية: شكرًا ليقظتكم، ولجهودكم التي لا تظهر كلها أمام العيون، لكنها تمنح البيوت حقها في الطمأنينة. شكرًا لأنكم تجعلون من الواجب فعلًا، ومن المسؤولية حمايةً، ومن القسم التزامًا في الميدان. نسأل الله أن يحفظكم، وأن يردّكم إلى أهليكم سالمين، وأن تبقى تضحياتكم سياجًا لأردنٍ يستحق الأمن والكرامة.
لكن الجريمة لم تستهدف مكانًا وحده؛ لقد حاولت أن تترك شرخًا في قلب المجتمع الأردني. فالاعتداء على الكنيسة في حمود لم يكن وجعًا يخص أهل المنطقة أو فئةً من أبناء الوطن، بل جرحًا أصاب الأردن كله؛ لأن حرمة الإنسان واحدة، ولأن الدم الأردني لا تتغير قيمته باختلاف الاسم أو الانتماء. وهنا يصبح التماسك الوطني جزءًا من العدالة ذاتها: أن يُحاسَب المسؤولون عن الجريمة وفق القانون، وألا يُسمح لها بأن تفتح بابًا للتحريض أو التعميم أو الفتنة.
ملكٌ يتعهّد، ووليُّ عهدٍ يؤكّد، ومؤسساتٌ تتابع، ونشامى يواجهون، وشعبٌ يلتفّ حول وطنه. ليست هذه كلماتٍ مرصوفة جنبًا إلى جنب؛ إنها صورة المسؤولية حين تتكامل: قيادةٌ تعلن الموقف، ومؤسساتٌ تحوّله إلى عمل، وقانونٌ يتولى استكمال العدالة، وشعبٌ يرفض أن يمنح الجريمة فرصةً لتفريقه.
رحم الله شهداء الكرك، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء، وحفظ الأردن وقيادته وشعبه ومؤسساته من كل سوء.
لقد أرادت الجريمة أن تترك الخوف وصيًّا على فجر الكرك، فإذا بالفجر يكشف أن للوطن عيونًا لا تغفل، ومؤسساتٍ لا تتخلى عن واجبها، وشعبًا لا يسمح للرصاصة أن تكتب دستوره ولا للكراهية أن ترسم حدوده. حين وعد الملك، تحرّكت الدولة؛ وحين وصلت يد العدالة إلى المخبأ، بقي الأردن واقفًا على عهده: وطنًا واحدًا، لا تنال منه الجريمة، ولا تشقّ وحدته رصاصة، ولا ينطفئ في سمائه فجر الحقيقة.