ثورة بيضاء: هل يحتاج الأردن إلى مسار رابع للتحديث الوطني؟
سمر الحاج حسن
25-10-2026 10:29 PM
لم تكن الرصاصات التي أُطلقت على المصلين والمشيعين في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك مجرد جريمة إرهابية استهدفت مواطنين أردنيين مسيحيين داخل دار عبادتهم، بل كانت اعتداءً على الأردن كله، وعلى قيمه وهويته الوطنية ونسيجه الاجتماعي الذي جمع المسلمين والمسيحيين على أرض واحدة وفي وطن واحد.
وإذا كانت هذه الجريمة تستوجب الإدانة والمحاسبة الحازمة، فإن خطورتها تفرض علينا ما هو أبعد من ذلك: وقفة وطنية جادة وشجاعة نسأل فيها أنفسنا كيف تتشكل هذه العقول المتطرفة، ومن يغذيها بأفكار الكراهية والتكفير، وأين تكمن الثغرات في منظومتنا التربوية والتعليمية والثقافية التي قد تسمح لمثل هذه الأفكار بالنمو والانتشار.
فليس السؤال اليوم فقط: من أطلق الرصاص؟ بل أيضاً: من زرع الفكرة التي سبقت الرصاصة؟
وفي الوقت الذي يمضي فيه الأردن، بتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن هذه المسارات جميعاً: هل حان الوقت لإطلاق ثورة بيضاء في منظومتنا التربوية والتعليمية والثقافية، تكون بمثابة المسار الرابع للتحديث الوطني، وتضع بناء عقل الإنسان ووعيه وقيمه في قلب مشروع الدولة الأردنية الحديثة؟
إن الجريمة التي شهدتها قرية حمود ليست مجرد حادثة أمنية يمكن أن تنتهي آثارها بملاحقة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة، على أهمية ذلك وضرورته، بل هي جرس إنذار يستدعي مراجعة وطنية عميقة تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتطرح أسئلة جوهرية حول البيئة الفكرية والثقافية والاجتماعية التي قد تسمح بنشوء التطرف وتحوله إلى سلوك إجرامي.
فحين يصل الفكر المتطرف إلى حد استباحة دماء مواطنين بسبب معتقدهم الديني، فإننا نكون أمام خطر لا يهدد فئة بعينها، وإنما يهدد مفهوم الدولة والمواطنة والعيش المشترك.
والمسيحيون الأردنيون ليسوا ضيوفاً على هذا الوطن، ولا مكوناً طارئاً على هويته، بل هم جزء أصيل من تاريخه ونسيجه الوطني، وشركاء في بنائه والدفاع عنه وصناعة مستقبله. والاعتداء عليهم هو اعتداء على كل أردني، وعلى القيم التي قامت عليها الدولة الأردنية، وعلى مفهوم المواطنة الذي لا يميز بين أبنائها على أساس الدين أو المعتقد.
لكن ما يثير القلق، ويستوجب الوقوف عنده بجدية، هو أن الأفكار الإرهابية لا تنشأ في فراغ، ولا تتحول إلى جرائم بين ليلة وضحاها. فهناك مسارات فكرية ونفسية واجتماعية قد تسبق الفعل الإجرامي، وهناك خطابات تحريض وكراهية وتكفير تجد أحياناً من يروج لها أو يتبناها أو يتسامح معها.
وهنا ينبغي أن نطرح الأسئلة الصعبة دون تردد أو مجاملة:
من أين تأتي هذه الأفكار الظلامية؟ ومن يغذيها؟ ومن يمنحها الشرعية في عقول من يتبنونها؟ وكيف يمكن أن ينشأ بيننا من يرى في الاختلاف الديني مبرراً للقتل، وفي الكراهية عقيدة، وفي الإرهاب وسيلة للتعبير عن أفكاره؟
هل تكمن المشكلة فقط في أفراد انحرفوا عن قيم مجتمعهم، أم أن هناك ثغرات في منظومة بناء الوعي تستحق المراجعة والمساءلة؟
وهل يكفي أن نواجه التطرف بعد أن يتحول إلى رصاص ودماء، أم أن مسؤوليتنا الوطنية تفرض علينا مواجهته منذ اللحظة التي يبدأ فيها بالتشكل كفكرة في عقل الإنسان؟
لقد اعتدنا، بعد كل حادثة إرهابية، أن نشهد موجة واسعة من الإدانات والاستنكارات، والتأكيد على الوحدة الوطنية والتآخي الإسلامي المسيحي. وهي مواقف تعبر عن وجدان الأردنيين وقيمهم الأصيلة، لكنها، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن مراجعة الأسباب ومعالجة الجذور.
فالإدانة لا تكفي، والخطابات لا تكفي، والتأكيد المتكرر على قيم التسامح لا يكفي إذا لم تتحول هذه القيم إلى ممارسة تربوية وثقافية واجتماعية راسخة في حياة الأجيال.
إن الأجهزة الأمنية تقوم بدور أساسي في حماية الدولة والمجتمع وملاحقة المجرمين، لكن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تبقى مسؤولية أمنية وحدها. فالأجهزة الأمنية تستطيع ملاحقة من يحمل السلاح، لكنها لا تستطيع وحدها مواجهة كل فكرة متطرفة تتسلل إلى العقول، أو كل خطاب كراهية يجد طريقه إلى الشباب.
وهنا تبرز مسؤولية منظومتنا التربوية والتعليمية والثقافية.
علينا أن نمتلك الشجاعة لنسأل أنفسنا: ماذا نعلم أبناءنا؟ وكيف نعلمهم؟ وأي إنسان نريد أن نبني من خلال مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية؟
هل نربي أبناءنا على التفكير النقدي والتحليل والحوار واحترام الاختلاف، أم ما زالت بعض ممارساتنا التعليمية أسيرة الحفظ والتلقين، وتقديم الإجابات الجاهزة بدلاً من تشجيع الأسئلة؟
هل نغرس في نفوس طلبتنا أن المواطنة هي الهوية الجامعة لكل الأردنيين، وأن التنوع الديني والفكري مصدر غنى للمجتمع، وليس سبباً للانقسام أو الإقصاء؟
وهل تمنح مدارسنا وجامعاتنا الشباب المساحة الكافية للنقاش والتفكير والتعبير المسؤول، أم أننا نترك فراغات فكرية وثقافية قد تملؤها خطابات التشدد والتطرف، خصوصاً عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي؟
ثم ماذا عن مؤسساتنا الثقافية والإعلامية والدينية؟ هل تعمل ضمن رؤية وطنية متكاملة لبناء الوعي وتعزيز قيم المواطنة والتعددية، أم أن جهودها ما زالت متفرقة ومحدودة الأثر، يغلب على بعضها الطابع الموسمي والاحتفالي؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني اتهام منظومتنا التعليمية أو الثقافية بأنها تنتج الإرهاب، ولا تحميلها وحدها مسؤولية ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل فكرية واجتماعية واقتصادية ونفسية متعددة. لكنه يعني أن مسؤوليتنا تقتضي مراجعة مدى قدرتها على تحصين الأجيال، وبناء مناعة فكرية حقيقية في مواجهة التطرف والكراهية.
فالأمم لا تحمي مستقبلها فقط بملاحقة الأخطار بعد وقوعها، بل ببناء الإنسان القادر على رفض هذه الأخطار قبل أن تتحول إلى واقع.
ومن هنا، هل آن الأوان لفتح نقاش وطني واسع وجاد حول الحاجة إلى إطلاق ثورة بيضاء في منظومتنا التربوية والتعليمية والثقافية.
ثورة بيضاء لا تستهدف هويتنا الوطنية أو قيمنا الدينية والاجتماعية الأصيلة، بل تستعيد جوهرها الإنساني والحضاري، وتعيد النظر في الفلسفة التي تحكم بناء الإنسان الأردني، وفي الأدوات والمؤسسات التي تتولى تشكيل وعيه وشخصيته.
إن المطلوب ليس مجرد تعديل بعض المناهج، أو إضافة دروس عن التسامح والمواطنة، أو تنظيم مؤتمرات وندوات تنتهي بإصدار توصيات لا تجد طريقها إلى التطبيق.
المطلوب مراجعة شاملة وعميقة لفلسفة التعليم، وأساليب التدريس، وإعداد المعلمين، ودور الجامعات، ومكانة الثقافة والفنون والأنشطة الفكرية في حياة الطلبة، وآليات تعزيز التفكير النقدي والحوار واحترام الاختلاف.
نحتاج إلى مدرسة تعلم أبناءنا كيف يفكرون، لا ماذا يحفظون فقط. وإلى جامعة تخرج إنساناً يمتلك المعرفة والقدرة على التحليل والنقاش، لا مجرد شهادة أكاديمية. وإلى مؤسسات ثقافية وإعلامية ودينية تسهم في بناء وعي وطني مستنير، يحترم الإنسان ويرفض الكراهية والإقصاء والتطرف.
ونحتاج، قبل ذلك كله، إلى إرادة مؤسسية تعترف بأن بناء الإنسان ليس مسؤولية وزارة بعينها، بل مسؤولية وطنية تتشارك فيها الحكومة والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية والإعلامية والأسرة والمجتمع المدني.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستمر في معالجة نتائج التطرف، دون أن نمتلك الشجاعة لمراجعة العوامل التي تسمح لأفكاره بالتشكل والانتشار.
وهنا نعود إلى مشروع التحديث الوطني الذي يسير فيه الأردن.
لقد وضعت الدولة الأردنية مسارات واضحة للتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وهي مسارات مهمة ومترابطة تستهدف بناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
لكن ألا يستحق تحديث المنظومة التربوية والتعليمية والثقافية أن يحظى بمكانة واضحة ومتكاملة ضمن هذا المشروع الوطني؟
لماذا لا يكون لدينا مسار رابع للتحديث، عنوانه بناء الإنسان الأردني، وتحديث منظومة التربية والتعليم والثقافة؟
ليس المقصود تجاهل ما تحقق أو ما يجري تنفيذه من برامج ومبادرات إصلاحية في هذه القطاعات، وإنما الانتقال من الجهود المتفرقة إلى مشروع وطني شامل، له رؤية واضحة وأهداف قابلة للقياس، وبرامج تنفيذية محددة، ومؤشرات أداء تتيح تقييم أثره ومساءلة المؤسسات المسؤولة عنه.
فالتحديث السياسي يحتاج إلى مواطن يؤمن بالتعددية والمشاركة وقبول الآخر وسيادة القانون.
والتحديث الاقتصادي يحتاج إلى إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار والإبداع والتكيف مع متطلبات المستقبل.
وتحديث القطاع العام يحتاج إلى ثقافة مؤسسية تقوم على النزاهة والكفاءة والمساءلة واحترام المواطن.
أما تحديث المنظومة التربوية والتعليمية والثقافية، فهو الذي يسهم في بناء الإنسان القادر على إنجاح هذه المسارات جميعاً.
فكيف نحدث السياسة والاقتصاد والإدارة، إذا لم نحدث في الوقت ذاته الأدوات التي تصوغ عقل الإنسان الذي يمارس السياسة، ويدير الاقتصاد، ويقود المؤسسات؟
إن التحديث الحقيقي لا يقاس فقط بالتشريعات التي نقرها، ولا بالاستراتيجيات التي نضعها، ولا بالمؤسسات التي نعيد هيكلتها، بل يقاس أيضاً بنوعية الإنسان الذي نبنيه، وبالقيم التي يحملها، وبقدرته على التفكير الحر والمسؤول، واحترام الاختلاف، والمشاركة في بناء وطنه.
وهذا يتطلب أن نعيد الاعتبار للتربية بوصفها عملية بناء للقيم والسلوك والشخصية، وللتعليم بوصفه وسيلة لتحرير العقل وتنمية قدراته، وللثقافة بوصفها أداة لصناعة الوعي وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
كما يتطلب أن نواجه خطاب الكراهية والتكفير والتحريض أينما وجد، وأن نميز بوضوح بين حرية المعتقد والتعبير، التي ينبغي صونها، وبين التحريض على العنف واستباحة حياة الآخرين، الذي لا يجوز التساهل معه.
إن ما حدث في كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود يجب ألا يمر بوصفه حدثاً مؤلماً نغلق صفحته بعد انتهاء التحقيقات ومحاسبة المسؤولين عنه. بل ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة وطنية مسؤولة، نسأل فيها أنفسنا عما ينبغي تغييره في سياساتنا ومؤسساتنا وأساليب تنشئة أجيالنا.
فليس المطلوب أن نبحث عن مسؤول نحمله وحده تبعات ظاهرة معقدة، ولا أن نوجه اتهامات عامة إلى مجتمعنا أو مؤسساتنا، بل أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن الوقاية من التطرف تحتاج إلى عمل طويل النفس، يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويمتد إلى الجامعة والمؤسسة الثقافية والخطاب الديني والإعلام والفضاء الرقمي.
إن حماية الأردن ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها وتضحياتها، بل هي أيضاً مسؤولية كل مؤسسة تسهم في بناء عقل الإنسان وضميره ووعيه.
والوفاء الحقيقي لضحايا الإرهاب لا يكون فقط بإدانة الجريمة ومحاسبة مرتكبيها، بل بالعمل الجاد حتى لا تتكرر، وببناء مجتمع أكثر مناعة في مواجهة الأفكار التي تبرر الكراهية والعنف.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الوقاية، ومن الإدانة إلى المراجعة، ومن الشعارات إلى السياسات، ومن معالجة النتائج إلى اقتلاع الأسباب التي يمكن أن تغذي التطرف.
إن الأردن الذي نطمح إليه لا يحتاج فقط إلى مؤسسات حديثة، واقتصاد قوي، وحياة سياسية متطورة، بل يحتاج قبل ذلك ومعه إلى إنسان يمتلك عقلاً مستنيراً، ووعياً وطنياً راسخاً، وإيماناً عميقاً بأن المواطنة تتسع للجميع، وأن الاختلاف لا يبرر الإقصاء، وأن كرامة الإنسان وحياته لا تقبلان المساومة.
إن الثورة البيضاء التي ندعو إليها ليست ثورة على المجتمع أو قيمه، بل ثورة من أجل استعادة أفضل ما في هذا المجتمع من اعتدال وتسامح وتآخٍ واحترام للإنسان، وترجمة هذه القيم إلى سياسات تربوية وتعليمية وثقافية تصنع مستقبل الأجيال.
وإذا كان مشروع التحديث الوطني يرسم ملامح الدولة الأردنية التي نريد، فإن تحديث منظومة بناء الإنسان هو الذي يمنح هذا المشروع عمقه واستدامته وقدرته على النجاح.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، بكل صراحة ومسؤولية، على أنفسنا وعلى مؤسساتنا وصناع القرار: هل نمتلك الشجاعة والإرادة لإطلاق ثورة بيضاء حقيقية في منظومتنا التربوية والتعليمية والثقافية، وجعل بناء الإنسان مساراً رابعاً للتحديث الوطني؟
أم أننا سننتظر مأساة أخرى، لنعود إلى الإدانات ذاتها، ونطرح الأسئلة ذاتها، دون أن نمتلك الجرأة على الانتقال من الكلام إلى الفعل؟
فالتحديث الحقيقي يبدأ من الإنسان… وحماية الوطن تبدأ من العقل، قبل أن تصل المواجهة إلى الرصاص.