الكرك .. حيث سقط رهان الإرهاب
العين حسين الحواتمة
25-10-2026 12:20 AM
لم تكن رصاصات الغدر التي اخترقت صمت جنازةٍ في كنيسة القديس جورجيوس بقرية حمود في الكرك موجّهةً إلى مشيّعين عُزّل فحسب، بل إلى قلب الفكرة الأردنية ذاتها: دولةٌ بنت تماسكها على العيش المشترك، يجاور فيها المسجدُ الكنيسةَ منذ قرون. سقط شهداء وجرحى، لكن ما أراد الإرهابيون إسقاطه، وهو الوحدة الوطنية، بقي أصلب مما كان.
لم يعرف الأردن في تاريخه الحديث صراعاً دينياً بين مكوّناته، فالمسيحيون الأردنيون شركاء أصيلون في تأسيس الدولة وبنائها، والكرك بعشائرها المسلمة والمسيحية نموذج حيّ لهذا النسيج. ولذلك فإن استهداف كنيسة فيها ليس تعبيراً عن احتقان مجتمعي، بل محاولة لاستيراد فتنة من خارج الحدود لم تجد يوماً تربةً تحتضنها.
ولا تُقرأ هذه الجريمة بمعزل عن إقليمٍ مضطرب تتغذى فيه الجماعات المتطرفة على الحروب والفراغات الأمنية والاستقطاب. والأردن من أكثر الدول تأثراً بمحيطه، ومع ذلك بقي واحةَ استقرار، لا صدفةً ولا هبةً مجانية، بل ثمرة جهد أمني واستخباري استثنائي وتضحيات قدّمها رجال القوات المسلحة – الجيش العربي والأجهزة الأمنية، الذين ارتقى منهم شهداء في مواجهة الفكر المتطرف والخلايا الإرهابية داخل الوطن وخارجه.
وجاءت رسالة الدولة الأبلغ حين زار جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، المصابين في مستشفى الكرك الحكومي مرتدياً اللباس العسكري؛ في دلالة واضحة على أن الدولة في مواجهة مفتوحة مع الإرهاب، وأن القيادة في الصف الأول إلى جانب أبنائها، وأن دم الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، دمٌ واحد.
لقد أرادت هذه العملية الجبانة أن تزرع الخوف والشك، فجاءت النتيجة معاكسة: أردنيون يتسابقون للتبرع بالدم، وعشائر تقف صفاً واحداً، والتفاف شعبي حول القيادة الهاشمية والأجهزة الأمنية والقوات المسلحة أفشل كل رهان على ضرب الوحدة الوطنية. وكما في كل مواجهة سابقة، من فنادق عمّان إلى قلعة الكرك وخلايا إربد والسلط، يخرج الأردن أقوى ومنتصراً على الإرهاب.
غير أن هذه المعركة مستمرة وطويلة النفس، فالإرهاب فكرةٌ قبل أن يكون رصاصة، ويعيد إنتاج نفسه كلما وجد ثغرة في الوعي أو المجتمع. ولذلك يبقى الانتصار الأمني، على أهميته الحاسمة، نصف المعركة، أما نصفها الآخر فيُخاض في العقول والقلوب.
والإرهاب ليس شأناً أردنياً خالصاً، بل قضية إقليمية وعالمية، تديرها شبكات عابرة للحدود تستثمر في أزمات المنطقة وتجنّد وتموّل عبر قنوات دولية معقدة، وقد أثبتت التجربة أن أي فراغ أمني في دولة ما يتحول سريعاً إلى تهديد للعالم بأسره. ومن هنا كان الأردن، بقيادته الهاشمية، في طليعة الداعين إلى مقاربة دولية شاملة تعالج جذور الأزمات، وتنهي الحروب والاحتلال، وتعمّق التنسيق الاستخباري، وتجفف منابع التمويل، وتحمّل المنصات الرقمية مسؤوليتها في مواجهة التحريض.
ويستدعي هذا الواقع مواصلة تطوير الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف والإرهاب بما يواكب المستجدات، فقد أتاح التطور المتسارع في وسائل الاتصال للفكر المتطرف أن يجنّد ويحرّض عبر فضاءات رقمية مغلقة، وجعلت سهولة التنقل حركة الأفراد أصعب تتبّعاً، فيما أفرزت حروب الإقليم سوقاً واسعة للسلاح وشبكات تهريب نشطة. وهذا يستدعي تعزيز الرصد الرقمي والإنذار المبكر، وتطوير التشريعات بما يوازن بين الأمن والحريات، وتشديد ضبط الحدود ومكافحة تهريب السلاح.
ويتكامل ذلك مع مسار وقائي مستدام يشمل خطاباً دينياً متجدداً يفكّك السرديات التكفيرية انطلاقاً من "رسالة عمّان"، ومناهج تُعلي التفكير النقدي وقيم المواطنة، ودراسةً علمية لمسارات التطرف والتجنيد، واستثماراً في الشباب لتعزيز المناعة المجتمعية، وإعلاماً وطنياً يواجه التحريض والشائعات.
وهي مسؤولية وطنية تشاركية، فالأسرة خط الدفاع الأول، والمدرسة والجامعة حاضنتا الوعي، والمسجد والكنيسة منبرا الاعتدال، والمواطن الواعي الذي يرفض خطاب الكراهية ويتعاون مع مؤسسات الدولة هو الحارس الحقيقي للأمن المجتمعي.
رحم الله شهداء الكرك، وشفى الجرحى، وحفظ الأردن عزيزاً منيعاً. أراد الإرهابيون أن يكتبوا بالدم رسالة فرقة، فكتب الأردنيون بالتكاتف رسالة وحدة، وسيبقى هذا الوطن عصيّاً على الفتنة، منتصراً على الإرهاب بقوة سلاحه وصلابة وعي أبنائه.
الرأي