كلفة الإرهاب: حين يدفع الأردن ثمن مواقفه
د. رعد محمود التل
25-10-2026 12:18 AM
لا يمكن قراءة التهديدات التي تواجه الأردن بمعزل عن المشهد الإقليمي المضطرب، ولا عن المواقف السياسية التي يتبناها دفاعًا عن أمنه الوطني وحقوق الشعب الفلسطيني واستقرار المنطقة. ففي منطقة تتصارع فيها المشاريع والنفوذ تسعى أدوات تلك المشاريع لافتعال الفتن الداخلية لإضعاف تلك الدول، ويصبح استهداف الاستقرار جزءًا من معركة أوسع على مستقبل المنطقة.
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2026، وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني رسائل واضحة بشأن خطورة السياسات الإسرائيلية التوسعية، واستمرار الاحتلال، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، محذرًا من تداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها. وأكد الخطاب تمسك الأردن بالحقوق الفلسطينية، وحل الدولتين، ورفض تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني، مع التشديد على أن أمن المملكة وسيادتها ليسا موضع مساومة.
فكان هذا الموقف تعبيرًا عن رؤية أردنية تدرك أن استمرار الاحتلال وغياب العدالة يهددان فرص السلام، ويغذيان التطرف ويوسعان دائرة عدم الاستقرار. كما أن رفض الأردن للتهجير القسري، وتمسكه بقيام الدولة الفلسطينية، ودفاعه عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، يجعله طرفًا أساسيًا في مواجهة محاولات تغيير الواقع السياسي والديمغرافي في المنطقة.
من هنا تبرز خطورة أي محاولة لإثارة الفتنة داخل الأردن. فاستهداف وحدة المجتمع، أو تأجيج الخلافات الدينية، أو نشر الخوف بين المواطنين، لا يهدد الأمن الداخلي وحده، بل يضعف قدرة الدولة على حماية مصالحها ومواصلة دورها الإقليمي. إن الإرهاب لا يسعى إلى إيقاع الضحايا فحسب، بل يريد تحويل الخلاف إلى صراع، والاختلاف والتنوع إلى انقسام.
فمن المستفيد من إضعاف الأردن وإشغاله بصراعات داخلية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية؟ إن الفوضى تخدم المشاريع التي تريد دولًا عربية مستنزفة ومجتمعات منقسمة، ومؤسسات منشغلة بأزماتها الداخلية. فإضعاف الأردن يحد من قدرته على الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والتصدي للتهجير، وحماية المقدسات، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. ومن هذه الزاوية، فإن السياسات الإسرائيلية التي توسع دائرة الصراع وتضيق فرص التسوية تثير مخاوف مشروعة بشأن انعكاساتها على استقرار الأردن والمنطقة.
قوة الأردن لا تقوم على أجهزته الأمنية وحدها، بل على تماسك مجتمعه، ووحدة مواطنيه، وثقتهم بمؤسسات الدولة والتفافهم حول القيادة أولاً وأخيراً. ولذلك، فإن حماية المسلمين والمسيحيين، وصون حرية العبادة ومواجهة خطاب الكراهية، تمثل عناصر أساسية في حماية الأمن الوطني. لقد أكد جلالة الملك أن الاعتدال الأردني ليس ضعفًا، وأن التمسك بالسلام لا يعني التنازل عن الحقوق.
إن كلفة الإرهاب الحقيقية هي ما يريد أن ينتزعه من الأردن أمنه ووحدته وتماسك مجتمعه. ولن تكون مواجهة هذه التحديات إلا بتعزيز الجبهة الداخلية، والتمسك بالثوابت الوطنية، وإفشال كل محاولة لتحويل الأردن إلى ساحة للفوضى أو الفتنة بالالتفاف حول الراية الأردنية وقيادتنا الهاشمية المظفرة.
الرأي