facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حمود .. عندما يصبح الصمت عن التطرف شريكاً في صناعة المأساة


نصر عصفور
25-10-2026 12:22 AM

ما حدث في قرية حمود بمحافظة الكرك ليس مجرد جريمة إرهابية بشعة، بل جرس إنذار يستدعي وقفة وطنية جادة، تتجاوز الحزن والاستنكار إلى مواجهة الأسباب التي تسمح للفكر المتطرف بالنمو والتحول إلى عنف يستهدف الأبرياء ويهدد أمن المجتمع ووحدته.

فالإرهاب لا يبدأ بالرصاصة الأولى، بل بفكرة مسمومة، وكلمة تكفير، وخطاب كراهية، وعقل يرفض حق الآخر في الاختلاف والحياة. وحين يجد هذا الفكر بيئة تتسامح معه أو تتجاهل خطورته، يصبح الانتقال من التحريض إلى الجريمة احتمالاً لا يجوز الاستهانة به.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه: من أين يستمد المتطرفون أفكارهم؟ ومن يغذي عقولهم بالكراهية؟ وهل تقوم مؤسساتنا التعليمية والدينية والثقافية والإعلامية بما يكفي لحماية الأجيال من هذا الانحراف الخطير؟

إن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية، على أهميتها وضرورتها؛ فالأجهزة الأمنية تستطيع ملاحقة المجرمين وإحباط مخططاتهم، لكنها لا تستطيع وحدها اقتلاع الأفكار التي تنتج التطرف. وهذه مسؤولية وطنية تتطلب عملاً متكاملاً يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، ويمتد إلى المنابر الدينية ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة كافة.

ومن هنا، فإن مسؤولية الدولة لا تقتصر على حماية المواطنين ومحاسبة مرتكبي الجرائم، بل تشمل أيضاً مراجعة السياسات التعليمية والثقافية، وتعزيز الخطاب الديني المستنير، والتصدي لكل أشكال التحريض والتكفير، دون انتقائية أو تهاون، وفي إطار سيادة القانون.

فليس من المنطق أن ندين الإرهاب عندما يتحول إلى رصاص، ثم نتساهل مع خطاب الكراهية الذي يمهد له الطريق.

وفي المقابل، لا يجوز إعفاء المجتمع من مسؤوليته. فالتطرف لا ينمو في الفراغ، وإنما يجد فرصته حين يغيب الحوار، ويتراجع الوعي، ويصبح التعصب أمراً مألوفاً أو مقبولاً. ومن واجب كل أسرة ومؤسسة وصاحب منبر أن يدرك أن الكلمة قد تبني إنساناً، وقد تدفع به إلى طريق مظلم إذا تحولت إلى أداة للتحريض وإلغاء الآخر.

لقد عرف الأردن عبر تاريخه نموذجاً مميزاً في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، الذين لم تجمعهم الجغرافيا وحدها، بل جمعتهم المواطنة والأخوة والمصير الواحد. ولم تكن الكنيسة يوماً غريبة عن المسجد، ولا جرس الكنيسة بعيداً عن صوت الأذان، بل كان كلاهما جزءاً أصيلاً من هوية وطن نعتز بانتمائنا إليه.

ومن هنا، فإن الاعتداء على أي مواطن بسبب دينه أو معتقده هو اعتداء على المجتمع الأردني بأكمله، وعلى القيم التي قامت عليها وحدتنا الوطنية.

لكن المحافظة على هذه الوحدة لا تتحقق بالشعارات وحدها، مهما كانت صادقة، وإنما بالعدالة والمساواة واحترام التنوع وسيادة القانون، وبناء ثقافة وطنية تعتبر الاختلاف الديني والفكري جزءاً من طبيعة المجتمع، لا مبرراً للإقصاء أو الكراهية.

إن من حق الأردنيين أن يطالبوا بمراجعة وطنية جادة لوسائل مواجهة التطرف، وأن يتساءلوا عن مدى فاعلية البرامج الوقائية، وعن قدرة المؤسسات المعنية على رصد خطاب التحريض ومعالجته قبل أن يتحول إلى خطر يهدد حياة الناس.

وهذه الأسئلة ليست تشكيكاً في الدولة أو انتقاصاً من جهود أجهزتها الأمنية، التي نقدر دورها وتضحياتها، بل تعبير عن الحرص على أن تكون المواجهة شاملة، وأن تتحول التجارب المؤلمة إلى دروس تمنع تكرار المآسي.

إن أخطر ما قد يحدث بعد جريمة حمود هو أن ننشغل بتفاصيل المأساة أياماً، ثم نعود إلى حياتنا دون أن نواجه الأسئلة الصعبة التي تفرضها علينا.

فدماء الأبرياء تستحق أكثر من بيانات الإدانة، وأمن الوطن يحتاج إلى ما هو أبعد من ردود الأفعال. نحن بحاجة إلى رؤية وطنية واضحة تواجه التطرف في جذوره الفكرية والاجتماعية، وتعزز قيم الاعتدال والمواطنة، وتضع كل من يثبت تورطه في التحريض على العنف أمام مسؤولياته القانونية.

وإلى أهلنا في قرية حمود، وإلى عشائر الهلسة الكرام، وإلى كل أسرة فقدت عزيزاً في هذه الجريمة، نقول إن مصابكم مصاب الوطن بأسره، وإن ألمكم يسكن قلوب الأردنيين جميعاً، مسلمين ومسيحيين.

رحم الله الضحايا، وشفى الجرحى، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.

وأخيراً، فإن مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية تفرض علينا أن نعلن الحرب على الفكر الذي يصنع الإرهاب، لا أن نكتفي بمواجهة من ينفذ جرائمه.

فالأوطان لا تُحمى بقوة أجهزتها الأمنية وحدها، وإنما أيضاً بوعي شعوبها، وعدالة مؤسساتها، وشجاعة مجتمعاتها في مواجهة أخطائها.

ولعل الدرس الأهم من مأساة حمود أن التطرف الذي نتجاهله اليوم قد ندفع ثمنه غداً من دماء أبنائنا، وأن الصمت عن خطاب التكفير ليس تسامحاً، بل تهاون مع خطر يهددنا جميعاً.

حمى الله الأردن، وحفظ وحدته الوطنية، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :