facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإصلاح الفكري


أ.د. عادل محمد القطاونة
25-10-2026 12:03 AM

لطالما انصبّ الاهتمام خلال السنوات الماضية على الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وعُقدت الاجتماعات، وقُدّمت المبادرات والتوصيات، في مسعى لتطوير مؤسسات الدولة وتعزيز التنمية والاستقرار. غير أن أحداثاً مؤلمة، وما تثيره من تساؤلات حول جذور التطرف والعنف، تعيد التأكيد على ضرورة إيلاء الإصلاح الفكري والنفسي الأهمية التي يستحقها، باعتباره ركيزة أساسية لأي مشروع إصلاحي مستدام. فمهما بلغت قوة الاقتصاد، ومهما تطورت التشريعات والمؤسسات، يبقى الإنسان محور البناء وهدفه، ويظل الوعي الذي يحكم سلوكه عاملاً حاسماً في حماية المجتمع أو تهديد استقراره.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس الاختلاف في الرأي أو العقيدة، بل تحوّل الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى إقصاء، والإقصاء إلى تبرير للعنف. فبعض الأفكار المتطرفة تنشأ من تصورات مغلقة تحتكر الحقيقة، وتنزع عن الآخرين حقهم في الاختلاف والكرامة، وقد تصل إلى استباحة دمائهم تحت ذرائع أيديولوجية أو تأويلات منحرفة. وما شهدته محافظة الكرك أول أمس يعيد إلى الذاكرة أحداثاً مؤلمة دفع الأردن خلالها ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول مسؤوليتنا في مواجهة الفكر الذي يسبق الجريمة ويمهّد لها. فقتل الأبرياء ليس مجرد انحراف سلوكي، بل قد يكون النتيجة النهائية لمسار فكري يجرّد الإنسان من إنسانيته ويمنح العنف مبررات زائفة.

مع التقدم التكنولوجي والتوسع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الأفكار تنتقل بسرعة غير مسبوقة، وأصبح المحتوى المتطرف قادراً على الوصول إلى الأفراد والتأثير في تصوراتهم وسلوكهم. ولم تعد عملية تشكيل الوعي مقتصرة على الأسرة والمدرسة والجامعة، بل أصبحت المنصات الرقمية جزءاً مؤثراً في بناء القناعات، ولا سيما لدى الشباب. وهذا الواقع يفرض تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وتنمية القدرة على التمييز بين المعرفة والتضليل، وبين حرية التعبير والتحريض، وبين الاختلاف المشروع وخطاب الكراهية. كما يتطلب تعاوناً بين المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والأسرية لمواجهة الدعاية المتطرفة، وتقديم خطاب عقلاني قادر على تفكيكها بالحجة والمعرفة، لا بمجرد الشعارات والإدانات المؤقتة.

إن الإصلاح الفكري مشروع مجتمعي متكامل يبدأ من البيت، ويمتد إلى المدرسة والجامعة ومكان العمل والمسجد والكنيسة، ولا يمكن أن تنجح فيه مؤسسة واحدة بمعزل عن الأخرى. فالأسرة تؤسس لقيم الاحترام والتسامح وضبط الانفعالات، والمدرسة تنمي التفكير النقدي وقبول الاختلاف، والجامعة تعزز الحوار والبحث العلمي ومراجعة الأفكار، فيما تتحمل المؤسسات الدينية مسؤولية ترسيخ قيم الرحمة والعدل وحرمة الدماء، ورفض توظيف الدين لتبرير العنف. أما الإعلام، فعليه أن يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية، وألا يسمح لخطاب الكراهية بأن يتحول إلى وسيلة لتأجيج الانقسامات. ولا يعني الإصلاح الفكري فرض نمط واحد من التفكير، بل بناء إنسان قادر على الاختلاف دون عداء، والنقد دون تحريض، والانتماء دون إقصاء.

إن بناء الدول لا يعتمد على المكان والموارد والمؤسسات وحدها، بل يعتمد بصورة أساسية على الإنسان وقدرته على توظيف هذه الإمكانات في البناء والتنمية. فالإصلاح الاقتصادي يعالج جانباً من احتياجات المجتمع، والإصلاح السياسي ينظم العلاقة بين المواطن والدولة، أما الإصلاح الفكري فيؤثر في القيم والقناعات التي توجه سلوك الإنسان وتفاعله مع محيطه. وهذه المسارات متكاملة وليست متنافسة؛ إذ لا يمكن ضمان استدامة الإصلاحات إذا غابت ثقافة المسؤولية واحترام القانون وقبول الآخر. ومن هنا، فإن المطلوب إدراج الإصلاح الفكري ضمن الأولويات الوطنية، من خلال برامج مستمرة للتوعية والتعليم والحوار، وتقييم نتائجها، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتكافؤ الفرص، والشعور بالانتماء. فالمجتمع المتماسك ليس المجتمع الذي يخلو من الاختلاف، بل الذي يمتلك القدرة على إدارة اختلافاته بالوسائل السلمية والقانونية.

إن ما يواجهه الوطن من تحديات فكرية وأمنية يستدعي التمسك بوحدة المجتمع، وتعزيز ثقافة المواطنة التي تصون حقوق الجميع دون تمييز على أساس الدين أو الرأي أو الانتماء الاجتماعي. فاستهداف الأبرياء أو أماكن العبادة لا يمثل اعتداءً على أفراد بعينهم فحسب، بل يمس أمن المجتمع وحق مواطنيه في الحياة والكرامة. ولذلك، فإن الرد الوطني المسؤول يقوم على تطبيق القانون، ومحاسبة المتورطين، ومواجهة الفكر المتطرف، ومنع استغلال المآسي لإثارة الفتنة أو تعميم الاتهامات. إن قوة الأردن لا تُقاس بقدرته على مواجهة التهديدات الأمنية فقط، بل أيضاً بقدرته على حماية نسيجه الاجتماعي، وترسيخ التعايش، وتحويل الأزمات إلى فرص للمراجعة والإصلاح.

إن الإصلاح الفكري ليس ترفاً ثقافياً ولا ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد الإصلاح الاقتصادي والسياسي، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه مجتمعاتنا. فالأوطان لا تُبنى بالقوانين والاستثمارات وحدها، وإنما بعقول تؤمن بالحياة، وضمائر تحترم الإنسان، وثقافة تجعل الاختلاف وسيلة للتفاهم لا ذريعة للكراهية. وقد آن الأوان لأن يتحول الإصلاح الفكري من رد فعل على الأزمات إلى مشروع وطني مستدام يبدأ من الأسرة ولا ينتهي عند مؤسسات الدولة. فمواجهة الإرهاب لا تبدأ فقط بملاحقة من يحمل السلاح، بل أيضاً بمواجهة الفكر الذي يبرر استخدامه ضد الأبرياء؛ لأن حماية الوطن تبدأ بحماية الإنسان، وحماية الإنسان تبدأ ببناء الوعي العام والعمل على خلق بيئة ايجابية وسليمة أساسها العمل والأمل، الأمن والأمان، سيادة القانون وهيبة الدولة، العقلانية والمسؤولية، الإنسانية والتشاركية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :