facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحن حبات بوشار تفرقع


رمزي الغزوي
19-10-2026 12:15 AM

أخشى أننا نعيش لحظات غريبة في تاريخ العقل البشري؛ لم يسبق أن امتلك الإنسان كل هذه القدرات على الوصول إلى المعرفة، ولم يسبق أن وجد كل هذه الصعوبة في البقاء معها أيضا. صار بوسعنا استدعاء مكتبات العالم في ثانية، ثم نعجز عن احتمال دقائق قليلة مع صفحة من كتاب. نعرف أخبار القارات قبل أن نرتشف قهوتنا، لكننا لا نمنح خبرا واحدا الوقت الكافي لنتأمله ونختبره. كأننا نجحنا في اختصار المسافة إلى كل شيء، وبعدها اكتشفنا أننا اختصرنا معها المسافة التي يحتاجها العقل ليفهم أي شيء. وهنا المأساة الجديدة.

لهذه الحالة اسم طريف ومقلق، هو عقل حبات «البوشار». عقل اعتاد الانتقال السريع بين المثيرات الرقمية، حتى صار إيقاع الحياة العادية يبدو له بطيئا ومملا وغير محبوب. تقفز الأفكار في داخله كحبات الذرة المغمورة بزيت يتلظى فوق النار؛ واحدة تثير فضوله، وأخرى تستفز غضبه، وثالثة تستدرج ضحكته، قبل أن تختفي جميعها تحت فرقعات جديدة قبل سكونها. ليست المسألة أن أدمغتنا أصيبت بمرض غامض بقدر ما أننا ندرب انتباهنا، يوما بعد يوم، على المغادرة قبل الوصول.

الأدهى أننا لم نعد نحتاج إلى من يشتت انتباهنا. لقد أصبحنا بارعين في مقاطعة أنفسنا. نفتح الهاتف لغرض محدد، ثم نستيقظ بعد رحلة طويلة بين مقاطع وأخبار وإعلانات لا تربطها صلة بما أردناه. كأن العقل فقد قدرته على إغلاق الأبواب، وصار يستقبل كل طارق، حتى حين لا يطرق أحد.

الخسارة الأعمق لا تقع في الذاكرة وحدها. إنها تصيب علاقتنا بالزمن وبالمعنى. فالحزن يحتاج إلى إقامة داخل النفس ليتحول إلى تعاطف، والدهشة تريد مقاربة متأملة لتغدو معرفة، والسؤال يتطلب حيرة لينضج. أما حين تتعاقب صورة طفل تحت الأنقاض، ومشهد مضحك، وإعلان عن عطر، وخبر عن كارثة، خلال ثوان معدود، فإننا نستهلك المشاعر بالسرعة نفسها التي نستهلك بها الصور. نرى كل شيء، ولا نكاد نعيش شيئا.

وهناك مفارقة تستحق الانتباه. لطالما خاف البشر من اختراعاتهم الجديدة، من الكتابة إلى المطبعة والآلة الحاسبة. غير أن الأدوات القديمة كانت تنتظر أن نستخدمها، فيما تتنافس المنصات الحديثة على استدعائنا إليها. إنها تتعلم ما يثير فضولنا، وتغذي رغبتنا في المزيد، حتى يصبح الانتقال نفسه أكثر إغراء من الشيء الذي ننتقل إليه.

ولعلنا نرتكب خطأ أكبر حين نربي أطفالنا على الهرب من الفراغ. نعطي الطفل شاشة كلما شعر بالملل، ونحرمه بذلك من فرصة اكتشاف عالمه الداخلي. فالخيال لا يولد دائما من كثرة المشاهد، وبعض الأفكار الجميلة لا تزورنا إلا حين تتوقف الأشياء عن مطالبتنا بالانتباه.

لا أطالب بالعودة إلى زمن بلا شاشات. أريد فقط أن نستعيد حقنا في البطء، وفي الشرود، وفي إكمال فكرة دون أن تستدرجنا عشر أفكار أخرى. فالمخيف في عقل البُوشار ليس كثرة ما يتقافز داخله، وإنما أن يتحول العقل من صانع للأفكار إلى متفرج على فرقعاتها؛ يعرف كيف ينتقل إلى الفكرة التالية، وينسى كيف يبقى مع فكرة تستحق الحياة.


الدستور





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :