سيدنا (قدها وقدود) (رح نفرجيهم)… كلمة قائدٍ لا يخسر الرهان
د. سمر الشديفات
26-10-2026 09:29 PM
بعضُ الكلمات لا تُقال لتُسمَع، بل تُقال لتصنع موقفا، وتوقظ في النفوس يقينا، وتترك للأيام مهمّة إثبات ما عجزت عن وصفه الخطب. وحين قال جلالةُ الملك عبدالله الثاني: (رح نفرجيهم)، هو يعي ماذا قال لم تكن مجرّد عبارةٍ عابرة ليجبر بها قلوب ليجبر كسرها، بل كانت صوتَ الثقة بالوطن ودرع الوطن، وهيبةَ القيادة حسمت الموقف منذ اللحظة الأولى، وعزيمة وطنٍ لا يسمح للتحديات أن تكتب نهايته.
في تلك الكلمات، كان الأردن حاضرا بكلّ ما يحمل من شموخٍ وتاريخ، وكانت إرادةُ القائد تستند إلى شعبٍ يعرف معنى الانتماء، ويؤمن أن الأوطان العظيمة لا تُقاس بحجم العواصف التي تواجهها، بل بقدرتها على الثبات حين تشتدّ العواصف. ثم جاءت المواقف لتمنح الكلمة أبعادا أعمق، ولتؤكد أن الرهان على الأردن ليس مجرّد شعار، بل مسؤوليةٌ تُترجَم إلى مواقف، وعهدٌ يُصان بالفعل قبل القول.
وبين ليلةٍ وضحاها، امتدّ الأمل إلى قلوبٍ أوجعها الفقد، ووجد ذوو شهداء الوطن في موقف القيادة ما يواسي جراحهم، ويشدّ على أيديهم، ويؤكد أن أبناءهم الأبرياء ليسوا أسماءً عابرةً في سجلّ الأيام، بل أمانةٌ في ضمير الوطن، وتضحياتٌ ستظلّ حاضرةً في وجدان الأردنيين. فليس أشدّ على القلب من فقد عزيز، وليس أصدقَ في مواساة المكلومين من موقفٍ يشعرهم بأن الوطن معهم، وأن أبناءه الذين ارتقوا في سبيله لن يغيبوا عن ذاكرته ووفائه.
هنا تتجلّى قيمة القائد، لا في قوة الكلمة وحدها، بل في ثقل الموقف حين تحين ساعة الحقيقة. فالقائد الذي يراهن على وعي شعبه، وصلابة درعه، وصلابة مؤسساته، وأصالة انتماء الأردنيين، لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت حضوره، تكفيه هيبة الموقف، وثبات القرار، وثقة شعبٍ يعرف أن الأردن أكبر من المحن، وأرسخ من أن تهزّه عاصفة.
جلالةُ سيدنا، لقد علّمتنا أن الرهان على الأردن ليس مقامرة بالمستقبل، بل ثقةٌ بتاريخٍ من الصمود، وبشعب لا يتخلّى عن وطنه، وبرايةٍ هاشميةٍ ظلّت عنوانا للثبات في وجه العواصف. وفي كلّ منعطف، تتجدّد الحكاية ذاتها: وطنٌ يواجه التحديات بإرادة أبنائه، وقيادةٌ تعرف أن حماية الأردن وصون أمنه وكرامة مواطنيه مسؤوليةٌ لا تقبل التراجع.
وليس معنى الانتصار أن تختفي الأحزان، أو أن تُمحى مرارة الفقد بكلمات؛ بل أن يجد المكلومون من يقف إلى جانبهم، وأن يرى الأردنيون في وحدتهم وقوة مؤسساتهم ما يحفظ الوطن من الانكسار، ويصون تضحيات أبنائه من النسيان.
(رح نفرجيهم)… كلمتان تختصران ثقة القائد بوطنه، وإيمانه بشعبه، وعزمه على صون الأردن. وما بين الكلمة والموقف، يبقى الرهان الحقيقي على وطنٍ لا يساوم على أمنه، ولا يفرّط بوحدته، ولا ينسى شهداءه.
جلالةَ سيدنا، يا قائدَ المسيرة ودرعَ الوطن، إن الأردنيين الذين يلتفّون حول رايتهم يعرفون أن قوة الأردن في وحدته، وأن عزّته في تماسك أبنائه، وأن الوفاء لشهدائه عهدٌ لا يسقط بالتقادم.
هذا هو الأردن الذي نعرفه، وهذه هي القيادة التي نعتزّ بها، وهذا هو الرهان الذي يتجدّد: أن يبقى الوطن عزيزا آمنا، وأن تظلّ رايته عاليةً، وأن تبقى قلوب أهله على عهد الوفاء والانتماء.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني الأب الحاني، ورحم شهداء الوطن، وألهم ذويهم جميل الصبر وحسن العزاء.