المستشفيات .. ليست منتزهات عائلية!
رنا حداد
27-10-2026 12:37 AM
من غصة وشهادة حية عشتها ابان تواجد والدتي -رحمها الله تعالى- في المستشفيات، مشهد يتكرر في بعضها ان لم يكن كلها، ويستحق وقفة جادة لا تحتمل المجاملة: أعداد كبيرة من الزوار، وعائلات تأتي بأطفالها، وإصرار على الدخول خارج مواعيد الزيارة، وضجيج وصراخ، ونفايات تُترك في الممرات والساحات، وأشخاص يدخنون السجائر أو أجهزة التدخين الإلكتروني داخل المستشفى أو في محيطه، فيما يحضر آخرون الطعام والكراسي، حتى يبدو المشهد أحياناً أقرب إلى رحلة عائلية منه إلى مؤسسة صحية يفترض أن تتوافر فيها أعلى درجات الهدوء والنظافة والانضباط.
المشكلة هنا ليست في زيارة المريض، ولا في واجب السؤال عنه والوقوف إلى جانبه، فهذه قيم اجتماعية أصيلة لا خلاف عليها، وإنما في الطريقة التي تُمارس بها الزيارة، حين تتحول من واجب إنساني إلى عبء إضافي على المريض والطاقم الطبي والإداري، وعلى بقية المرضى الذين يحتاجون إلى الراحة والهدوء في مرحلة يكونون فيها بأمسّ الحاجة إليهما.
في المستشفيات، ليست مواعيد الزيارة تفصيلاً إدارياً يمكن تجاوزه بالمجادلة أو الإصرار على الدخول، وليست تعليمات الأمن والسلامة قرارات قابلة للتفاوض بحسب رغبة الزائر. إنها ضوابط وُضعت لتنظيم الحركة داخل الأقسام، وتخفيف الازدحام، والحفاظ على خصوصية المرضى، ومساعدة الكوادر الطبية والتمريضية على أداء عملها في ظروف مناسبة.
ومع ذلك، يجد العاملون أحياناً أنفسهم أمام معاندات ومجادلات لا مبرر لها، وكأن موظف الأمن أو الممرض الذي يطلب الالتزام بالتعليمات يتعمد التضييق على الناس، لا يؤدي واجباً يهدف إلى حماية الجميع. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا نطالب مؤسساتنا الصحية بالتنظيم والانضباط، ثم نعترض عندما تحاول تطبيق أبسط قواعدهما؟
أما اصطحاب الأطفال بأعداد كبيرة إلى المستشفى، وتركهم يركضون ويلعبون ويرفعون أصواتهم في الممرات، فهو سلوك يحتاج إلى مراجعة حقيقية. فالطفل لا يُلام على طبيعته وحركته، لكن المسؤولية تقع على الأهل الذين يفترض أن يدركوا أن المستشفى ليس ساحة للعب، وأن هناك مرضى يعانون الألم، وآخرين يحتاجون إلى النوم والراحة، وربما أشخاصاً في حالات صحية دقيقة لا يحتملون الضجيج أو الازدحام.
ولا يقل عن ذلك إزعاجاً ترك بقايا الطعام والأكواب والمناديل والنفايات في الغرف والممرات والساحات، أو تحويل محيط المستشفى إلى مساحة للتدخين، بما في ذلك استخدام أجهزة التدخين الإلكتروني. فالمؤسسة الصحية ليست مكاناً عادياً يمكن التعامل معه باستهتار، بل بيئة ينبغي أن تكون النظافة فيها سلوكاً أساسياً،
لكن المسؤولية لا تقع على الزوار وحدهم؛ فالإدارة الفاعلة للمستشفى مطالبة أيضاً بوضع تعليمات واضحة، وإعلانها بصورة ظاهرة، وتنظيم أعداد الزوار، ومتابعة الالتزام بمواعيد الزيارة، والتعامل بحزم وعدالة مع المخالفات، من دون استثناءات أو انتقائية. كما أن على الجهات المعنية توفير ما يلزم من رقابة وتوعية، والتأكد من تطبيق قواعد منع التدخين والمحافظة على النظافة، بما يضمن بيئة صحية تحترم المرضى والعاملين والزوار على حد سواء.
ولا بد من التأكيد أن احترام النظام لا ينتقص من حق الأسرة في الاطمئنان إلى مريضها، كما أن الحزم في تطبيق التعليمات لا يعني القسوة أو إغلاق الأبواب أمام الناس. المطلوب هو تنظيم الزيارة، لا إلغاؤها؛ واحترام المريض، لا إبعاد أهله عنه؛ ووضع حدود واضحة تمنع تحول المكان إلى مساحة مفتوحة لكل ما يخطر في بال الزائر.
إن المستشفيات الحكومية تستقبل أعداداً كبيرة من المواطنين، وتتعامل يومياً مع حالات صحية وإنسانية مختلفة، وهذا ما يجعل المحافظة على النظام فيها مسؤولية مشتركة بين الإدارة والعاملين والمراجعين والزوار. ولا يجوز أن تتحول الضغوط التي تواجهها هذه المؤسسات إلى مبرر للتساهل مع سلوكيات تزيد العبء عليها، أو تنتقص من حق المريض في بيئة مناسبة للعلاج.
نحن بحاجة إلى ثقافة زيارة مختلفة، تدرك أن المحبة لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين يحيطون بالمريض، ولا بطول ساعات الجلوس إلى جانبه، ولا بكثرة الطعام الذي يُحضر إليه، بل بمراعاة حاجته الفعلية إلى الراحة، واحترام خصوصيته، وعدم إزعاج من يشاركونه الغرفة أو الطابق.
المستشفى ليس منتزهاً، وليس مكاناً للنزهات العائلية، ولا مساحة لتجاوز التعليمات تحت شعار العاطفة أو صلة القرابة. إنه مكان للعلاج، وفيه ما يكفي من الألم والقلق والانتظار، حتى لا نضيف إليها فوضى يمكن تجنبها بقليل من الوعي وكثير من احترام الآخرين
الدستور