من النعم التي لا نضعها في قوائم الامتنان أن نخرج من بيوتنا ونتوقع العودة إليها. أن تمضي امرأة إلى جنازة، ويذهب طفل إلى مدرسته، ويفتح رجل دكانه في الصباح، دون أن يخطر لأحدهم أنه يمارس شجاعة استثنائية. هذا الاطمئنان الصغير، الذي لا يظهر في نشرات الأخبار، هو أحد أعظم منجزات المجتمعات. والإرهاب يعرف قيمته جيدا؛ لهذا يذهب إلى الأماكن التي نمارس فيها حياتنا دون دروع، ويحاول أن يجعل من أكثر أفعالنا ألفة مغامرة مجهولة العواقب.
لا يريد الإرهابي أن يقتل من تطاله رصاصاته وحسب؛ يريد أن يغير علاقتنا بالأيام المقبلة. أن نتردد قبل الذهاب إلى الصلاة، وأن نفكر مرتين قبل حضور مناسبة، وأن ننظر إلى الوجوه المألوفة بشيء من الارتياب. يريد للخوف أن يغادر موقعه الطبيعي بوصفه استجابة لخطر عابر، ويصبح طريقة دائمة في التفكير والعيش. وهكذا يستطيع بضعة مسلحين، لا يملكون قوة مواجهة مجتمع بأكمله، أن يحاولوا احتلال مساحات واسعة من خيال الناس وطمأنينتهم.
لهذا كانت جريمة كنيسة حمود أشد من اعتداء على مكان وأشخاص. فقد وقع الرصاص في لحظة يلتقي فيها الناس حول واحدة من أقدم طقوس التضامن الإنساني: وداع الموتى. أراد القتلة أن يضعوا علامة استفهام دامية فوق عاداتنا التي ظنناها بمنأى عن الوحشية. أن يتحول مجلس العزاء إلى موضع خوف، وأن يصبح الذهاب إلى الكنيسة فعلا يحتاج إلى حسابات أمنية. وتلك محاولة لسرقة شيء لا تعوضه البيانات والخطب: شعور الإنسان بأن الحياة تستطيع أن تمضي على سجيتها.
وهنا يظهر المأزق الذي يراهن عليه الإرهاب. فالدولة مطالبة بأن تحمي الناس وتمنع تكرار الجريمة، وفي الوقت نفسه نريد للخوف ألا يتحول إلى نظام يحكم تفاصيل الحياة، أو تصبح الإجراءات الاستثنائية وجها دائما للفضاء العام. فالأمن الذي يستحق اسمه يحمي قدرة الناس على العيش بحرية وكرامة، ويحافظ على ثقتهم بالقانون وببعضهم. وكلما نجحت الدولة في الجمع بين الحزم والعدالة، ضاقت المساحة التي يحاول الإرهاب اقتطاعها من العقد الذي يجمعها بمواطنيها.
والتحدي أكبر في عالم تعبر فيه شبكات العنف والتمويل والدعاية الحدود بسهولة، فيما تتحرك القوانين والمؤسسات ضمن حدود الدول. وتستطيع صورة واحدة أن تحمل الفزع إلى ملايين البيوت قبل أن تكتمل معرفة ما حدث. لهذا تصبح مسؤولية الإعلام جزءا من حماية المجتمع؛ أن يخبرنا بالحقيقة دون أن يضاعف سلطان الخوف، وأن يعيد إلى الضحايا أسماءهم وحكاياتهم، فلا يختصرهم في أرقام تخدم شهرة القاتل.
أفكر في ذلك كله، وأجد أن أعمق انتصار على الإرهاب لا يحتاج إلى مشهد احتفالي كبير. يكفي أن يعود الناس إلى أعمالهم ويذهب الأطفال إلى مدارسهم، ويواصل الجيران تقاسم أفراحهم وأحزانهم. من حقنا أن نحزن ونخاف، ومن حقنا أيضا ألا يصبح الخوف وصيا على حياتنا. وأجمل ما تستطيع الدولة والمجتمع حمايته معا أن يبقى اليوم العادي عاديا، وألا نضطر ذات صباح إلى الاحتفال بعودتنا سالمين من جنازة.
الدستور