نجح رجال الأمن في مهمتهم .. فهل ننجح في حماية أبنائنا من التطرف؟
د. محمد حيدر محيلان
27-10-2026 11:40 AM
صدق رجال الأمن العام وعد قائد الوطن، جلالة الملك عبدالله الثاني، حين تمكنوا من تعقب المشتبه بتورطهم في الجريمة النكراء التي روّعت المجتمع الأردني، والوصول إليهم والقبض عليهم في وقت قياسي. وقد أظهرت العملية مستوى رفيعًا من المهنية والاحترافية والدقة في تنفيذ الواجب، وأكدت أن الأردن يمتلك أجهزة أمنية يقظة وقادرة على حماية أمنه واستقراره وصون حياة أبنائه.
ولم يكن هذا الإنجاز مجرد نجاح أمني، بل رسالة طمأنة إلى الأردنيين جميعًا بأن الدولة حاضرة بمؤسساتها، وأن العدالة تأخذ مجراها وفق القانون. لقد أثبت رجال الأمن أن الشجاعة لا تعني التهور، وأن الحزم لا يتعارض مع الانضباط، وأن حماية المجتمع مسؤولية يؤدونها بكفاءة واقتدار.
ولكن، بعد أن أدى رجال الأمن واجبهم، يبقى أمامنا سؤال يستحق أن نتوقف عنده: هل أدينا نحن، أسرًا ومؤسسات ومجتمعًا، واجبنا في حماية أبنائنا من التطرف قبل أن يتحول إلى عنف وجريمة؟
إن القبض على المتورطين يعالج خطرًا قائمًا، لكنه لا يضمن وحده عدم تكراره. فالتطرف العنيف لا ينشأ بالضرورة بين ليلة وضحاها، وإنما قد تسبقه أفكار منحرفة وخطابات تكفير وكراهية، تجعل الشاب يرى في قتل الأبرياء بطولة، وفي الاعتداء على المختلف معه دينًا أو فكرًا عملًا مشروعًا.
وهنا تبدأ مسؤولية الأسرة، لا بعد وقوع الجريمة، حين يصبح الندم عاجزًا عن إعادة الأرواح إلى أصحابها، بل قبل ذلك، عندما تظهر مؤشرات تستدعي الانتباه والحوار. فليس المطلوب أن يتحول الأب إلى رجل أمن داخل بيته، وإنما أن يكون قريبًا من أبنائه، يعرف ما يشغل عقولهم، ويناقش أفكارهم، وينتبه إلى تمجيد العنف أو تبرير قتل الأبرياء، ويطلب المساعدة المتخصصة عندما تستدعي الحاجة ذلك.
ولا تقل مسؤولية المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية عن مسؤولية الأسرة. فالشاب الذي يتعرض لخطاب متطرف يحتاج إلى من يناقشه بالحجة والمعرفة، لا إلى من يتركه فريسة لمن يستغلون حماسته وجهله، ويقدمون له الكراهية باسم الدين، والجريمة في صورة بطولة، والموت في سبيل الوهم طريقًا إلى المجد.
ولدينا في الأردن مرجعية فكرية مهمة تتمثل في رسالة عمّان، التي أكدت قيم الاعتدال والتسامح ورفض التكفير. والأجدى أن تنتقل مضامينها من الوثائق والمحاضرات إلى المدارس والجامعات والمنابر والفضاء الرقمي، من خلال برامج عملية تخاطب الشباب بلغتهم، وتساعدهم على التمييز بين الإيمان الصادق والتعصب، وبين الاختلاف المشروع والتحريض على العنف.
لقد نجح رجال الأمن في أداء مهمتهم بشجاعة واقتدار، لكن نجاح المجتمع الاكبر هو بعدد من نحميهم من الوقوع في براثن التطرف، وبقدرتنا على اكتشاف الخطر ومعالجته قبل أن يتحول إلى مأساة.
فالأردن الذي يحميه رجال أمنه بسواعدهم، ينبغي أن نحميه جميعًا بعقولنا ووعينا وتماسك أسرنا، وبالمحافظة على ما يجمع أبناءه، مسلمين ومسيحيين، من أخوّة ومواطنة ومصير مشترك.
حفظ الله الأردن وقيادته الهاشمية، وأدام على شعبه الأمن والأمان والوحدة والوئام.