facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما بعد حادثة الكرك .. كيف يتحول النجاح الأمني إلى مناعة وطنية؟


د. حمد الكساسبة
27-10-2026 11:44 AM

شكّل القبض على منفذي جريمة كنيسة حمود نجاحاً أمنياً مهماً، وأظهر قدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع الحادثة والوصول إلى مرتكبيها. لكن أهمية هذا النجاح لا تتوقف عند حسم الحدث. الأهم أيضاً هو ما الذي نتعلمه منه، وكيف نبني عليه. فكل تجربة تضيف إلى خبرة الدولة، والأهم أن تتحول هذه الخبرة إلى إجراءات وآليات عمل واضحة يمكن الرجوع إليها وتطويرها مع الوقت، بما يساعد المؤسسات على فهم التغيرات والتعامل معها مبكراً.

والأردن لديه خبرة طويلة في التعامل مع ظروف داخلية وإقليمية صعبة، واستطاع عبر مراحل مختلفة أن يحافظ على استقراره وتماسك مجتمعه. كما أن التعامل مع حادثة الكرك عكس وعياً واضحاً بعدم التعميم؛ فالجريمة تمثل من ارتكبها، ولا تمثل أي مكوّن ديني أو اجتماعي أو فكري في المجتمع الأردني. والثقة بين الناس جزء أساسي من المناعة الوطنية. وهذه المناعة ليست أمنية فقط؛ لها أيضاً أبعاد اجتماعية واقتصادية. فكلما زادت فرص العمل، وتحسن مستوى المعيشة، واتسعت فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، أصبح المجتمع أكثر تماسكاً وأقدر على مواجهة الضغوط والتغيرات. وهذا التماسك يقوي الدولة أيضاً في التعامل مع التحديات والمخاطر الخارجية والضغوط التي تفرضها المنطقة.

وقد وضعت التوجيهات الملكية بعد الحادثة إطاراً واضحاً للمرحلة المقبلة، من خلال تقييم الجاهزية، ومراجعة سياسات مواجهة الفكر المتطرف، والتعامل مع الشائعات والمعلومات المضللة. وهنا تأتي أهمية البناء على ما تحقق، بحيث لا تبقى الدروس مرتبطة بهذه الحادثة وحدها، بل تصبح جزءاً من طريقة العمل داخل المؤسسات، ويتم تطويرها كلما تغيرت الظروف. وهذا ما يمكن تسميته بالذاكرة المؤسسية؛ أي أن تبقى الدروس والخبرات داخل المؤسسات، وألا تنتهي بانتهاء الحدث، بل يتم البناء عليها وتطويرها مع الوقت.

وتؤكد التطورات الأخيرة أيضاً أن حماية الأمن الوطني لا تتوقف عند التعامل مع الخطر بعد وصوله إلى الداخل. فعندما يكون هناك تهديد إرهابي مباشر مصدره خارج الحدود، يبقى للأردن حقه في الدفاع عن أمنه ومواطنيه، ضمن الأطر القانونية والرسمية المعتمدة. والرسالة هنا واضحة: من يخطط لاستهداف الأردن أو مواطنيه لا ينبغي أن يعتقد أن وجوده خارج الحدود يمنحه حصانة، فحماية أمن الدولة ومواطنيها تبقى أولوية أينما كان مصدر التهديد.

وبالتوازي مع التعامل مع التهديدات المباشرة، تبقى المراجعة الهادئة والدورية لما تم تطبيقه وما تحقق من نتائج جزءاً مهماً من بناء الجاهزية المؤسسية. والهدف هو تعزيز ما نجح وتطوير ما يحتاج إلى تحديث. ويشمل ذلك أيضاً تطوير أدوات التنفيذ وأساليب العمل حتى تبقى مواكبة للتغيرات في المجتمع ووسائل التواصل وأنماط السلوك. ومن المهم كذلك متابعة الأساليب الجديدة التي قد تؤثر في وعي الناس أو تساعد على انتشار معلومات غير دقيقة. فالدروس لا تكون مفيدة لمجرد تسجيلها، بل عندما تساعد فعلاً على تحسين طريقة العمل.

ويظهر هذا بوضوح أكبر في الفضاء الرقمي. فقد تقع الحادثة في مكان واحد، لكن أخبارها وصورها وتعليقات الناس عليها يمكن أن تصل خلال دقائق إلى آلاف الهواتف. ومعلومة غير دقيقة أو صورة خارج سياقها قد تضاعف أثر الحدث. لذلك أصبحت سرعة وصول المعلومة الصحيحة، ووضوح التواصل، وثقة الناس بالمصدر الرسمي جزءاً مهماً من المناعة الوطنية. وإلى جانب ذلك، يبقى للأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية والمجتمع المحلي دور مهم في بناء الوعي والتعامل مبكراً مع المؤشرات التي تستحق الاهتمام.

ومن هنا تأتي أهمية التدريب والمحاكاة. وهذا الأسلوب مستخدم في تجارب دولية متعددة للحفاظ على الجاهزية، وتحسين التنسيق، وتحديث أساليب العمل. والمقصود بالمحاكاة تمارين تشبه ما قد يحدث في الواقع، وتجمع مثلاً بين موقف ميداني وشائعة وضغط إعلامي وحاجة إلى إيصال معلومة صحيحة بسرعة. هذا النوع من التدريب يساعد على تحسين التنسيق، ويبين ما الذي يمكن تطويره، ويضيف خبرة جديدة إلى طريقة العمل.

وبناء المناعة الوطنية لا يقتصر على جهود المؤسسات الحكومية، بل يمكن للقطاع الخاص والجهاز المصرفي والشركات الكبرى وصناديق الاستثمار والتنمية أن يكون لها دور مهم أيضاً. ويمكن أن يكون ذلك من خلال دعم المشاريع المنتجة، وتوسيع فرص العمل والتدريب، وتمويل مبادرات تحرك النشاط الاقتصادي في المحافظات والمناطق الأقل حظاً. ومع تعدد الأولويات الوطنية والتنموية، تصبح الشراكة بين المؤسسات الحكومية وهذه الجهات أكثر أهمية، ليس بديلاً عن دور المؤسسات الحكومية، بل دعماً له، ومساهمة في تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

والمهم ألا تنتهي الدروس بانتهاء الحدث. فالدولة التي تحتفظ بما تعلمته، وتراجع ما تحقق من نتائج، وتطور أدواتها مع تغير المجتمع والظروف من حولها، تكون أقدر على التعامل مع التحديات المختلفة. والأردن لديه مؤسسات ذات خبرة ومجتمع أثبت تماسكه. فالنجاح الأمني يحسم الحدث، لكن تحويل ما نتعلمه منه إلى خبرة تبقى وتتطور هو ما يحوّل نجاح اللحظة إلى مناعة وطنية مستدامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :