facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاعتدال تصنعه المجتمعات


د. صالح سليم الحموري
27-10-2026 06:31 PM

استوقفتني فكرة طرحها الصديق المفكر إبراهيم غرايبة، مفادها أن التطرف «سوفت وير» لا «هارد وير»، وأن مواجهته حرب أفكار، لكنها لا تُختزل في التوعية والتثقيف؛ فالاعتدال ثمرة منظومة شاملة من العدل والحريات والتنمية الإنسانية والتعليم المتقدم.

تنقلنا هذه الفكرة من سؤال:
كيف نواجه المتطرفين؟
إلى سؤال أعمق:
كيف تتشكل الأفكار المتطرفة، وما البيئة التي تتيح لها النمو؟

قد تمتلك المجتمعات مؤسسات وقوانين وبنى تحتية وإمكانات اقتصادية، لكنها تعجز عن حماية تماسكها إذا اختلت منظومة الأفكار والقيم والعلاقات التي تنظم حياة الناس. فالتطرف ليس خللًا في "الأجهزة"، بل في "البرامج" التي توجه التفكير والسلوك. وقد يكون نتيجة تراكمات من الإقصاء والشعور بالظلم وانسداد الأفق وضعف التفكير النقدي، إلى جانب عوامل أيديولوجية ونفسية واجتماعية متداخلة.

المفارقة أننا نواجه ظاهرة تتشكل على مدى سنوات بأدوات سريعة: حملات للتسامح، ومحاضرات للاعتدال، ورسائل توعوية، ثم ننتظر تغير القناعات فورًا. لكن الإنسان لا يصبح متسامحًا لمجرد استماعه إلى محاضرة، ولا يتبنى الاعتدال لأنه قرأ منشورًا يدعوه إليه. فالوعي ليس معلومة تُضاف إلى العقل فحسب، بل تجربة تتشكل من خلالها نظرتنا إلى العالم.

الطفل الذي يتعلم في مدرسة تحترم الأسئلة والاختلاف، وتمارس الحوار بدل التلقين، يختبر بيئة مختلفة عن طفل يتعلم أن الحقيقة لا تقبل النقاش. والشاب الذي يجد فرصًا عادلة للعمل والمشاركة والتعبير يعيش تجربة مختلفة عن شاب يرى الأبواب مغلقة أمامه. والمواطن الذي يلمس العدالة في حياته اليومية يدرك قيمتها من الممارسة، لا من الرسائل وحدها.

لا يعني ذلك أن الفقر أو غياب العدالة يقودان حتمًا إلى التطرف، أو أن المجتمعات المتقدمة محصنة منه. فالتطرف ظاهرة معقدة تتداخل فيها الهوية والانتماء والتجارب الشخصية والشبكات الاجتماعية. لكن البيئة المؤسسية والاجتماعية تؤثر في القناعات، وفي قدرة المجتمع على مقاومة الأفكار الإقصائية.

كما أن المعرفة وحدها لا تصنع القيم، والشهادات لا تمنح أصحابها حصانة من التعصب. التعليم المطلوب لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يحرر العقل من الخوف، وينمي التفكير النقدي وفهم التعقيد، ويعلم أن الاختلاف ليس تهديدًا، وأن القناعة لا تعني امتلاك الحقيقة المطلقة.

ولا تقع مسؤولية المواجهة على المؤسسات الأمنية أو الدينية أو التعليمية وحدها؛ إنها مسؤولية منظومة تبدأ بالأسرة والمدرسة، وتمتد إلى سوق العمل والإعلام والفضاء الرقمي، وتشمل العدالة وسيادة القانون والمشاركة العامة. فالأمن ضروري لحماية الناس ومنع العنف، لكنه لا يغني عن معالجة الأفكار والظروف التي تغذيه، وهي مهمة تحتاج إلى أدوات أوسع ونفس طويل.

لذلك، لا تقاس "حرب الأفكار" بعدد الحملات والندوات، بل بما يتغير في حياة الناس: هل تعلّم مدارسنا التفكير النقدي؟ هل تتسع فرص الشباب؟ هل يشعر الناس بالإنصاف؟ هل تحترم المؤسسات التنوع؟ وهل يجد الإنسان مساحة آمنة للتعبير ومراجعة أفكاره؟ هذه الأسئلة تكشف إن كان الاعتدال ممارسة يومية أم شعارًا موسميًا.

إن تحديث منظومات التفكير لا يعني فرض أفكار موحدة، بل توسيع القدرة على التفكير الحر والمسؤول، وقبول التعددية، وحل الخلاف من دون عنف. والأفكار ليست قدرًا ثابتًا؛ فالإنسان قادر على التعلم والمراجعة، لكن التغيير لا يحدث بضغطة زر، بل عبر مؤسسات وتجارب وعلاقات تعزز الثقة والكرامة والانتماء.

المجتمع المعتدل ليس الذي يكثر حديثه عن الاعتدال، بل الذي يجعل الاعتدال نتيجة طبيعية لطريقة تنظيم الحياة فيه. حين تكون العدالة ممارسة، والحرية مسؤولية، والتعليم تفكيرًا، والتنمية فرصة للجميع، يصبح الاعتدال أقدر على التجذر. أما إذا غابت هذه الشروط، فقد تتوالى حملات التوعية فيما تبقى البيئة المغذية للتطرف على حالها.
التطرف "سوفت وير"، لكن إصلاحه لا يبدأ من "شاشة العقل" وحدها، بل من "المجتمع" الذي يكتب برامجه كل يوم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :