من إرهاب الكرك إلى معركة الوعي "الأردن جسدٌ واحد في مواجهة التطرف وحماية الإنسان "
ميساء المصري
28-10-2026 12:00 PM
لا حصانة للمجتمع من الإرهاب دون وعيٍ وثقافةٍ وعدالة، ولا قوة للدولة دون مواطنة متساوية وحقوق مصونة
حوار سياسي وفكري حول الأردن والإصلاح وحقوق الإنسان والقضية الفلسطينية ومستقبل المنطقة
يأتي هذا الحوار مع الدكتورة ميساء المصري، المتخصصة في الشؤون السياسية، لقراءة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومفهوم الإصلاح، وحماية حقوق الإنسان، ودور الثقافة والإعلام في مواجهة التطرف، وصولًا إلى القضية الفلسطينية ومستقبل المنطقة، في لحظة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها.
س: في الأردن، لا يمكن النظر إلى الأحداث الإرهابية التي شهدتها بلدة الحمود في الكرك، وما ارتبط بها من اعتداءات استهدفت مواطنين ومكانًا للعبادة، بمعزل عن السؤال الأعمق المتعلق بقدرة المجتمع على حماية نسيجه الوطني من الفكر المتطرف. فالإرهاب، أيًّا كانت ذرائعه أو مرجعياته، مرفوض جملةً وتفصيلًا، لأنه يستهدف الإنسان في حياته وكرامته وأمنه، ويضرب في الوقت ذاته أسس الدولة والمجتمع.
ج: إن الأردنيين، على اختلاف منابتهم ومعتقداتهم الدينية والفكرية، يشكلون جسدًا وطنيًا واحدًا، تجمعهم المواطنة والحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية. فلا يجوز أن تتحول دور العبادة إلى ساحات للخوف، أو أن يصبح الاختلاف الديني مدخلًا للإقصاء، أو أن يُستغل الدين لتبرير العنف وسفك الدماء. فالمساس بأمن أي مواطن هو مساس بأمن الجميع، والاعتداء على أي مكوّن من مكونات المجتمع هو اعتداء على فكرة الأردن ذاتها.
لكن مواجهة الإرهاب لا تتوقف عند الإدانة الأمنية أو القانونية، إذ تبدأ أيضًا من بناء الإنسان، وترسيخ الثقافة المدنية، وتعزيز الوعي النقدي، وتوسيع مساحات الحوار والأخوّة والتضامن. فظهور حالات متطرفة لا يعني بالضرورة انتشار الظاهرة في المجتمع، لكنه يفرض اليقظة والحذر من كل بذرة تحريض أو تكفير أو كراهية، والعمل على اقتلاع أسبابها الفكرية والاجتماعية دون تعميم الاتهام أو المساس بحقوق المواطنين ،وهي مسؤولية مجتمع بكل ما فيه ودولة بكل أدواتها.
الكتابة السياسية ومسؤولية المثقف
س: كيف تنظرين إلى دور الكتابة السياسية في التأثير في الواقع، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه المجتمع الأردني؟
ج: الكتابة السياسية مسؤولية أخلاقية ومعرفية، تتجاوز وصف الأحداث إلى مساءلة أسبابها وشروطها ونتائجها. وفي مواجهة الإرهاب، لا يكفي أن ندين الجريمة، بل يجب أن نفهم كيف تتشكل بيئات التطرف، وكيف يمكن حماية المجتمع من خطاب الكراهية دون الوقوع في فخ التعميم.
إن النقد المسؤول ليس هدمًا للدولة، بل مساهمة في تصويب مسارها. والإصلاح الحقيقي يُقاس بقدرته على تعزيز العدالة وتكافؤ الفرص وصون الكرامة، وبناء مواطن يمتلك المعرفة والحصانة الفكرية، لا بمجرد إعلان التشريعات والخطط.
الدولة والمجتمع والإصلاح في الأردن
س: ما أبرز التحديات التي تواجه العلاقة بين الدولة والمجتمع في الأردن؟
ج: يتمثل التحدي الأساسي في تجديد الثقة من خلال الإنجاز والشفافية والعدالة. فالدولة القوية ليست التي تكتفي بفرض النظام، بل التي تعزز شعور المواطن بأنه شريك في القرار والتنمية، وأن حقوقه مصونة بصرف النظر عن أصله أو معتقده أو موقعه الاجتماعي.
حيث تتطلب مواجهة التطرف أيضًا النظر إلى قضايا البطالة وتفاوت الفرص وضعف المواءمة بين التعليم وسوق العمل، دون اختزال الإرهاب في أسباب اقتصادية أو اجتماعية وحدها. فهذه العوامل قد تتداخل مع عوامل فكرية وسياسية ونفسية مختلفة، ولذلك تحتاج المعالجة إلى سياسات متكاملة تجمع بين سيادة القانون والعدالة والتنمية والتعليم.
كما ان الإصلاح التشريعي ضروري، لكنه لا يكفي دون ثقافة مؤسسية تحترم القانون وكرامة الإنسان، وتربط المسؤولية بالنتائج، وتتيح مراجعة السياسات وتصحيح الأخطاء.
الأحزاب والبرلمان والإعلام
س: كيف يمكن تعزيز الحياة الحزبية والبرلمانية؟
ج: المطلوب انتقال الأحزاب من المشاركة الموسمية في الانتخابات إلى مؤسسات تقدم برامج واقعية في الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل، وتجدد قياداتها وتعزز الديمقراطية الداخلية. فالتحديث السياسي لا يقاس بعدد الأحزاب، بل بقدرتها على إنتاج البدائل ومساءلة الأداء العام.
أما الإعلام، فتتضاعف مسؤوليته في أوقات الأزمات، لا نريد اعلاما يبرر، بل اعلاما يعالج ، إذ ينبغي أن يتحقق من المعلومات، ويتجنب نشر الشائعات أو تأجيج الانقسامات، ويفصل بين الوقائع والاستنتاجات. فالإعلام المسؤول يحمي المجتمع من التضليل، ويواجه التطرف بالحجة والمعرفة، دون أن يتحول إلى أداة لتكميم النقد أو شيطنة المختلفين.
حقوق الإنسان والحريات العامة
س: كيف يمكن تحويل حقوق الإنسان من نصوص قانونية إلى ممارسة يومية؟
ج: الحقوق الحقيقية هي التي يستطيع الإنسان ممارستها دون تمييز أو حاجة إلى النفوذ. وهذا يتطلب إنفاذ القانون، وتطوير آليات الشكاوى والانتصاف، وضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز الوصول إلى المعلومات والخدمات.
الأمن والحريات ليسا نقيضين، فحماية المجتمع من الإرهاب يجب أن تتم ضمن القانون، وبإجراءات ضرورية ومتناسبة وخاضعة للرقابة والمساءلة. كما أن مكافحة التطرف لا تبرر تحميل جماعة دينية أو اجتماعية كاملة مسؤولية أفعال أفراد، لأن التعميم يهدد الثقة الوطنية التي تحتاج إليها الدولة لمواجهة الأخطار.
وعلى المستوى الدولي، تكشف الأزمات عن تفاوت في تطبيق المعايير الحقوقية، خصوصًا في فلسطين والسودان وسوريا. والمطلوب تعزيز المساءلة وتطبيق القانون دون انتقائية.
الأردن والقضية الفلسطينية والقدس
س: كيف تقرئين الدور الأردني في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وحماية المقدسات؟
ج: يمثل الدور الأردني تجاه القدس مسؤولية تاريخية وحقوقية تتصل بحماية هويتها العربية والإسلامية والمسيحية وصون مقدساتها وتعزيز صمود المقدسيين. وتكتسب الوصاية الهاشمية أهمية خاصة في حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم.
إن رفض التهجير القسري والتمسك بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة يعكسان الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. لكن الدبلوماسية تحتاج إلى تحرك عربي منسق، وتفعيل القانون الدولي، ومساءلة الانتهاكات، وبناء شراكات دولية قادرة على تحويل المواقف إلى نتائج.
ويواجه الأردن معادلة دقيقة تجمع بين الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وحماية أمنه واستقراره ومصالحه الوطنية، ما يتطلب دبلوماسية واقعية تحافظ على الثوابت وتستبق المخاطر.
التضامن العربي ومستقبل المنطقة
س: هل يحتاج التضامن العربي إلى رؤية جديدة؟
ج: نعم، نحن بحاجة إلى الانتقال من البيانات وردود الفعل إلى بناء مصالح مشتركة ومؤسسات قادرة على منع الأزمات واحتوائها. ويمكن للأردن الإسهام في مبادرات عربية للوساطة والإنذار المبكر، وتعزيز التعاون في الأمن المائي والغذائي والتشغيل.
فالاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بمعالجة جذور النزاعات، واحترام سيادة الدول، وصون كرامة الشعوب وحقوقها، ومنع تفكك المجتمعات واتساع الصراعات.
الثقافة والإعلام والتحديث السياسي
س: ما دور المثقف والشباب في صناعة القرار ومواجهة التطرف؟
ج: يبدأ بناء المناعة المجتمعية من التعليم والثقافة والحوار. نحن بحاجة إلى فضاءات تجمع الأكاديميين وصناع القرار والشباب، وتحول المعرفة إلى سياسات ومبادرات عملية، وتعزز التفكير النقدي والتربية الإعلامية والقدرة على التمييز بين المعلومة والشائعة.
ولا يجوز أن نواجه التطرف بتطرف مضاد، أو أن نستبدل الكراهية بالكراهية والفرقة والتهميش، فالمطلوب امتلاء حضاري يعترف بالاختلاف، ويؤمن بالمواطنة، ويعزز الأخوّة والتضامن. كما ينبغي أن تتحول مبادئ سيادة القانون والمواطنة الفاعلة وتمكين الشباب إلى ممارسة مؤسسية قابلة للتقييم والمساءلة.
الخطاب الملكي أمام الأمم المتحدة
س: ما أبرز الرسائل التي يحملها الخطاب الملكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى المجتمعين العربي والدولي؟
ج: تبرز في الخطاب الملكي، وفق قراءتي، مركزية الحقوق الفلسطينية، ورفض التهجير وتغيير الواقع في الأراضي الفلسطينية، والتأكيد على تطبيق القانون الدولي بصورة متسقة، والتحذير من تداعيات التصعيد على أمن المنطقة والأردن.
والرسالة الأعمق هي ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن البيانات إلى المحاسبة والعمل المؤسسي. ويتطلب ذلك دبلوماسية استباقية، وحماية المدنيين، وربط السلام بالعدالة والحقوق المشروعة.
رسالة إلى الشباب الأردني
س: ما رسالتك للشباب الأردني في ظل التحديات الفكرية والسياسية الراهنة؟
ج: لا تنتظروا أن يمنحكم أحد دورًا في صناعة المستقبل، ابنوا أهليتكم بالمعرفة والكفاءة والاستقلال الفكري والعمل المسؤول. واجهوا التطرف بالوعي، والكراهية بالحوار، والتضليل بالحقيقة، وراقبوا السياسات واقترحوا البدائل.
إن الأردن ليس مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات سياسية، إنه عقد اجتماعي وإنساني يقوم على المواطنة والكرامة والتكافل. وحماية هذا العقد مسؤولية مشتركة لا تقبل الإقصاء أو التمييز.
وأقول للمجتمع أن التحديات التي تواجه الأردن والمنطقة، تكشف أن قوة الدولة لا تنفصل عن كرامة الإنسان، وأن مواجهة الإرهاب لا تكتمل بالحلول الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى إصلاح مؤسسي وعدالة اجتماعية وثقافة تحمي المجتمع من خطاب الكراهية والتكفير.
ومن الكرك إلى القدس، ومن حماية النسيج الوطني إلى الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، يبقى الرهان على الإنسان الواعي، والدولة العادلة، والمجتمع المتضامن.