رواية "حرب الفيمينست الأخيرة – آدام" للكاتب منذر السليمان
28-10-2026 02:07 PM
عمون - قراءة سليم النجار - من أهم العناصر الصوتية التي ربطت أحداث الرواية بزمن «آدام» ذلك الإيقاع الحواري الذي جعل من الزمن جسرًا تعبر من خلاله الشخصيات نحو اللحظة المعاصرة. وقد سعى الكاتب إلى الاشتباك مع هذه اللحظة، مستخدمًا الفواصل والتوقفات داخل الحوار للتأكيد على جمل بعينها، كما نقرأ:
«- صب ٠٠ صباح الخير دكتور رودريغو معك رافايل من مستشفى ساما رتانو.
• أهلا رافايل٠٠ كيف حالك؟
• بخير، اعتذر عن إزعاجك دكتور، لكن أنْ ٠٠
"يقاطعه روديغو"
• خيراً٠٠٠ هل هناك حالة طارئة؟» (ص 7).
تؤدي هذه الحوارية دورًا في تكسير المشهد الدرامي، وتحويله إلى ثنائية حوارية قصيرة تتخللها لحظات من الصمت والتردد، بما يكشف عن بُعد نفسي وزماني ومكاني في آن واحد. فالصوتان الحاضران على مستوى الشكل يخفيان اختلافًا على مستوى المضمون، وكأن الصمت أصبح عنصرًا فاعلًا في استدعاء اللحظة الزمنية التي تتبلور من خلال السؤال والانتظار.
لا يقدم الكاتب أبطالًا تقليديين تتحدد ملامحهم من خلال الأسماء والصفات وحدها، بل يدفع بشخصياته إلى مشاهد درامية محمومة، تتسارع فيها الأحداث ضمن إيقاع قد يبلغ حدّ العنف النفسي في بعض المقاطع الروائية:
«- لا بدّ أنني جُننتُ، إذْ سمحتُ لنفسي بالإقدام على عناقه، هل كنتُ أخدعه وأتلاعب بعواطفه» (ص 112).
وهناك احتمال آخر لقراءة هذا البناء، يتمثل في أن التخييل يعبّر عن نفسه من خلال التركيز على الجزئيات الاجتماعية والنفسية التي لا يمكن الجزم بقبولها أو رفضها خارج سياقها الروائي. فالكاتب يسعى إلى الكشف عن أعماق الشخصيات وذهنياتها، وما يعتمل داخلها من اضطراب وتردد:
«آه ٠٠ اللعنة تذكرت ٠٠٠ كنتُ أتحدث عن يوم ميلادي اللعين!» (ص 20).
ولا يشكّل هذا الشعور سوى حالة من التهدئة السردية الممتدة، نلتقي خلالها بشخصيات متعددة، وننساق معها في حوارات تتناول قيمًا وتجارب إنسانية، مثل الحب والموت، وما يقابلهما من مشاعر الأسى والفرح. ويبدو أن الكاتب منذر السليمان يوظف أحيانًا القفز فوق بعض التفاصيل الروائية من أجل تسريع الإيقاع، والانتقال بين المشاهد دون إبطاء حركة السرد:
«مرت قبل أنْ يرفع يده ملوحاً، لتعالى الأصوات والأيدي نرحبُ بالقادم المُنْتظَر» (ص 193).
ويُعدّ وصف الأشياء والشخصيات جزءًا من التهدئة السردية، غير أن الأهم هو تحديد موقع هذه العناصر داخل البناء الروائي، والكشف عن وظائفها في تشكيل المعنى. ويمكن الإشارة هنا إلى ثلاثة عناصر أساسية: أولها الحلم، وثانيها الوقوف على مواقف الشخصيات، وثالثها الأفعال التي تقوم بها هذه الشخصيات، والتي تتماهى في الوقت نفسه مع حركة الزمن.
وتقودنا هذه العناصر إلى مسار واحد، يشير إلى أن الزمن في الرواية ليس مجرد إطار للأحداث، بل هو زمن الإنسان نفسه، بما يحمله من ذاكرة وخوف وفقدان:
«- انتحرت؟
• نعم، ما عادت تستيطع الأستمرار، كانت قد حدثتني بأنها تفكر بالأمر مرة، لكنني ظننتها غير جادة، وأنها مجردة فكرة عارضة» (ص 124).
ولا بد من القول إن هناك زمنًا للضياع يتخلل الرواية، يبدو في حركته كالبندول الذي يتأرجح بين لحظتين، أو كعقارب ساعة تتحرك فوق أرضية منقوشة بالأرقام.
فهذه الحركة لا تقتصر على معرفة الوقت، وإنما تكشف عن محاولة الإنسان التخفيف من وطأة زمن لا يرحم، ولا يكف عن التقدم:
«- غيِّري ثيابك بسرعة والحقي بي إلى المائدة، سوف أعيد تسخين الطعام للمرة الثالثة، لقد تأخرتِ كثيراً اليوم!» (ص 88).
إن هذا التوظيف للزمن يكشف عن شك يتسلل إلى المحكي الروائي كله، إذ يعرض الكاتب تفاصيل ومواقف تثير التساؤل: هل ما نقرأه وقائع تنتمي إلى عالم الشخصيات، أم أنها صور متخيلة تتشكل في أحلامها وذاكرتها؟
نحن هنا أمام توقف سردي طويل وغني بالدلالات، يصبح فيه الزمن أكثر من مجرد عنصر فني؛ إنه السارد الخفي، إن لم يكن البطل الفعلي للرواية. وهو الذي يتحكم في إيقاع الأحداث، وفي حركة الذاكرة، وفي تردد الشخصيات أمام ما ترغب في قوله أو تعجز عن الإفصاح عنه:
«- إذن ما اردت قولهُ ٠٠ لا اعرف كيف اقول ٠٠ في الحقيقة لستُ على قناعة تامَّة بتلك الجزئية» (ص 183).
وهكذا، تفضي رواية «حرب الفيمينست الأخيرة – آدام» للكاتب منذر السليمان إلى تصور سردي يتداخل فيه الزمن الحالم مع الذاكرة، حتى يكاد الاثنان يمتزجان في حالة واحدة. فالزمن لا يتحرك خارج الشخصيات، بل يسكن داخلها، ويتشكل من أحلامها وخيباتها ومخاوفها.
ومن الممكن أن نمكث طويلًا داخل هذا النص، لنكتشف خبايا الزمن الذي تحاول الرواية وصفه، بوصفه القوة الخفية التي تحرك حياة الشخصيات وتعيد تشكيل علاقتها بالماضي والحاضر.
ولعل خصوصية الرواية تكمن في هذا الاشتغال على الزمن، ليس بوصفه تعاقبًا للأحداث فحسب، بل بوصفه صوتًا يتردد في الحوارات، ويحضر في لحظات الصمت، ويكشف عما تعجز الشخصيات عن قوله.
فالزمن في الرواية لا يكتفي بأن يروي الحكاية، بل يصبح هو نفسه حكاية الإنسان، وصوته الذي لا يتوقف عن الكلام، حتى حين يصمت الجميع.