قرأت خبر التوافقات على رئاسة مجلس النواب ومواقع مكتبه الدائم. الرئاسة لهذه الكتلة، والنائب الأول لتلك، والثاني لثالثة، والمساعدان للرابعة. توزيع واضح ومرتب. لكنني، بعدما عرفت حصة كل طرف، بقي عندي سؤال، ما هي حصة المواطن من كل هذا الترتيب؟
لا أعترض على أن تتحالف الأحزاب، أو أن تتفاوض الكتل وتتفق على مرشحيها. فهذه سياسة، ومن يدخلها عليه أن يعرف كيف يفاوض ومتى يتنازل. لكن من حقنا، نحن الذين يُطلب منا الإيمان بالتجربة الحزبية، أن نسأل، على ماذا جرى الاتفاق إلى جانب المواقع؟ وما الذي سيختلف في عمل المجلس بعدما ينتهي توزيعها؟
سمعنا طويلًا عبارات المصلحة الوطنية وتعزيز الرقابة والتشريع وخدمة الناس. نحترم معانيها، لكننا نريد الدخول في تفاصيلها. ما القضايا التي ستتقدم؟ وما الالتزام الذي نستطيع العودة إليه بعد أشهر لنقول، تحقق، أو لم يتحقق؟ فمن يستطيع التفاوض بهذه الدقة على حصته، يفترض أن يستطيع تقديم التزام واضح للناس.
هنا، في تقديري، تكمن مشكلة التجربة الحزبية في الاردن، أفرزت أحزابًا وعضويات وقوائم ونوابًا وكتلًا وتحالفات، لكن تعداد هذه المخرجات لا يجيب عن سؤال المنفعة. يستطيع الحزب أن يصل إلى البرلمان، ثم يعجز عن إقناع المواطن، أو حتى أعضائه، بأن وصوله أحدث فرقًا يستحق الاهتمام. وما عاد على حياة الناس هو ما يمنح هذه الأرقام معناها.
ولهذا لا أرى أن تفسير ضعف الحماس للحياة الحزبية يقع على الناس وحدهم. ماذا عرضنا عليهم كي يقبلوا؟ وهل يجد الشاب داخل الحزب فرصة للتأثير، أم ترتيبًا آخر عليه أن ينتظر دوره فيه؟ حين يرى المواطن الوجوه نفسها، واللغة نفسها، وأساليب الصعود نفسها، فمن الطبيعي أن يسأل عما تغير سوى الاسم المكتوب على اللافتة.
وتعيدنا هذه التوافقات إلى سؤال استقلال القرار الحزبي. أين يظهر برنامج كل كتلة في الاتفاق؟ وما الذي تنازلت عنه، وما الذي أصرت عليه؟ وهل يعرف جمهورها لماذا اختارت هذا التحالف، وعلى أي أساس سيحاسبها؟ تعدد الكتل يكتسب قيمته حين نرى أثر اختلافها في الأولويات والقرارات.
وأقدّر أن للدولة حساباتها ومخاوفها، وأنها تنظر إلى المشهد من زاوية الاستقرار وتوازن القوى. لكن الحياة الحزبية تحتاج إلى مساحة فعلية للاختيار وتحمل المسؤولية. إذا انحصرت مهمة الأحزاب في التكيف مع الترتيبات القائمة، فكيف ستقنع الناس بقدرتها على التغيير؟ والحزب الذي يطالب باستقلال قراره عليه أن يمارسه ويتحمل كلفته.
ولا يجيب عن المشكلة اختزال النقاش في إشراك كتلة بعينها أو إبعادها. الاختلاف مع الإخوان لا يجعل كل ما يفعله خصومهم إنجازًا في التحديث السياسي، مثلما لا يمنح الاعتراض على إقصائهم شهادة نجاح لتجربتهم. المعيار واحد، استقلال القرار، ووضوح البرنامج، والقدرة على المحاسبة. ولو حصل كل طرف على موقع يرضيه، سيبقى السؤال قائمًا إذا لم يعرف المواطن حصته.
لا يُطلب من المكتب الدائم أن يحل أزمات البلد كلها، لكن يُطلب من الكتل التي تتفق عليه أن تشرح ما ستفعله بهذا الاتفاق. أي أولويات تشريعية ستدفع بها؟ وما الملفات التي ستخضعها للرقابة؟ المواطن الذي يقلقه عمل ابنه وكلفة معيشته وجودة تعليمه وخدماته يريد أن يفهم صلة ما يجري تحت القبة بهذه الهموم.
حين تنتهي المفاوضات عند توزيع المواقع، ثم يُطلب منا الاحتفاء بها دليلًا على نجاح التجربة، نكون قد أعدنا تدوير الأدوات وتركنا أسباب فقدان الثقة على حالها. ولن تستعيد الأحزاب اهتمام الناس ما لم يشعروا أن مشاركتهم تستطيع التأثير، وأن من انتخبوه سيجيب عما أنجز وعما أخفق فيه.
لقد عرفنا حصة الكتل. وما ننتظره الآن أن تحدد، بالوضوح نفسه، حصة المواطن. فالمقعد مكسب آني لمن يجلس عليه، أما قيمته عند الناس فتبدأ بما يفعله الجالس عليه.