رجال صدقوا ما عاهدوا عليه السلط والوطن
د. محمد بزبز الحياري
30-10-2026 08:00 PM
مواقف الرجال وأفعالهم، شكلت وتشكل سردية مدينة وقصة بناء وطن.
اجتمع الرجال وقد كانوا بحق أصحاب فكر ورؤية وإرادة ثاقبة...تداولوا الامر بينهم...
لا يوجد في العالم العربي قاطبة مصنع للادوية، فكل اوجاع العرب تأتي مراهمها من الخارج.
اشتعلت الفكرة وتوهجت، وقرروا ان يكون علاج آلامنا من صنع ايدينا...
ماذا ؟ نعم من صنع ايدينا، كانت الفكرة ببداياتها كأنها محض خيال، وأقرب للهزل منها للجد، لكن الهمة عالية والنفوس عظيمة وكبيرة، وبالجد والاجتهاد وضعوا الفكرة حيز التنفيذ...
"انشاء مصنع للادوية"...
أفرغوا مافي جيوبهم وباعوا ما ملكوا، حتى لو تطلب الامر الذهاب لمصاغ زوجاتهم لما توانوا ولما توانين، فالفكرة عظيمة وتستحق الالتفاف حولها، وان يبذل من اجلها الغالي والنفيس...
كان هذا عام ١٩٦٢.
هؤلاء الرجال هم:
امين شقير
صبحي الطيبي
انيس المعشر
حمدي الساكت
تيسير الحمصي
المكان: عمان وطبيعي ان يكون المصنع بالعاصمة لتسهيل الامور الادارية واللوجستية، لكن امين شقير اقترح ان يكون المصنع بالسلط، وفاء للمدينة التي تربض على احد تلالها مدرسة السلط الثانوية التي تخرج منها هو وغيره من المؤسسين، لم يلبث امين شقير ان يكمل الاقتراح حتى وافقه البقية رأسا وبالاجماع.
ثم تبدأ رحلة البحث عن قطعة ارض تلائم المصنع من ناحية فنية، نظرا لخصوصية المواد والاجهزة المستعملة، واستقرت اللجنة المختصة بعد البحث الحسي والمضني على قطعة ارض مثالية، مساحتها احد عشر دونما وتفي بأغراض ومتطلبات المصنع، وعند السؤال عن مالك الارض وامكانية استملاكها، صدموا عندما علموا استحالة شرائها، كون هذه القطعة عزيزة وشبه مقدسة على نفس مالكها، وكان قد رفض بيعها قبل ذلك مرارا وتكرارا وبأعلى الاثمان.
وتتوالى قصص الرجال الرجال ومواقفهم...
وبالسؤال من هو صاحب الارض؟! قيل انه أحد الرجال الغانمين المسيحيين...هو موسى حبش فراج الدبابنة ابو حبش...
استقر الرأي عند المؤسسين الذهاب لابي مروان، عبدالحليم النمر الحمود احد وجهاء البلقاء والاردن لطلب المشورة والوساطة لحل هذه المشكلة التي برزت وتعطل انشاء المصنع ، وما ان علم ابو مروان باسم صاحب الارض حتى قال لهم ودون تردد: ابو حبش عندي ما عليكوا، وستأتيكم مجانا ومن غير ثمن ...صدم الجميع من ردة الفعل السريعة من ابو مروان وظنوا انها دعابة ، لكنه اكد لهم ان الموضوع سينتهي غدا باذن الله ،لاتهكلوا هم ، وانفض الاجتماع وهم غير مصدقين وحالة الذهول ما زالت تستحوذ عليهم.
في الصباح الباكر ذهب ابو مروان لابي حبش وسرد عليه قصة الامس، فقال له:
وبماذا اجبتهم ؟ فقال ابا مروان: مُنت عليك بغيابك، وقلت لهم كيت وكيت، بطلعلي ولا لأ؟ هنا انشرحت اسارير ابو حبش وقال: لا اتوقع منك اقل من ذلك، وكلمتك ما بتصير ثنتين يا ابو مروان، ويلاقوني بكرة بدائرة الاراضي لاتمام المعاملة والتنازل.
لكن لي شرط واحد...؟!؟!؟!
وهنا تتجلى عظمة الرجال الرجال ايضا، فقال له اشرط مثل ما بدك يا ابو حبش.
توقعوا ماهو الشرط...؟!!!!
هل كان اقامة حفل تكريم له؟، او منحه دروع تكريم او.. او؟ ...
لا والله ...لقد كان شرطه الوحيد ايها السادة ان تكون اولوية التوظيف لابناء وبنات المدينة...نعم وبكل انتماء للمجتمع السلطي وبكل كرم ومروءة كان هذا شرطه، فالأرض صحيح انها قيمة وملك وإرث وترتبط بالوجدان، لكن التنازل عنها من أجل مشروع يخدم المجتمع والأجيال القادمة هو موقف يجسد أسمى معاني العطاء والمسؤولية المجتمعية.
وتم انشاء المصنع وبدأ الانتاج وتوًَجَه الراحل العظيم الحسين بالافتتاح عام ١٩٦٦.
طوبى لمن يزرع فكرة، ولمن يمهّد لها الطريق، ولمن يهب من ملكه ليكون الخير أوسع وأبقى، وأن الأوطان لا تُبنى بالكلام وحده، وإنما تُبنى بسواعد المخلصين، وعطاء الكرام، وتكامل الجهود المؤسسين والمتبرعين، ليكون أثرًا طيبًا تتوارثه الأجيال.
رحم الله الرجال الرجال