كيف ينبغي أن نتعامل مع التطرف؟
غيث هاني القضاة
01-11-2026 02:02 PM
ما الذي ينبغي علينا فعله لمواجهة التطرف في مجتمعنا؟ ربما لا يكون واقعيًا أن نتوقع اختفاء جميع الأفكار المتشددة؛ فالغلو والتطرف ظاهرتان عرفتهما مجتمعات مختلفة عبر التاريخ، ولم تكونا حكرًا على دين أو أمّة بعينها، لكن ما نستطيع فعله هو الحد من انتشار هذه الأفكار، ومنع تحولها إلى عنف، وحماية أبنائنا وشبابنا من الوقوع في شباك الجماعات أو الجهات التي تتبناها، ولتحقيق ذلك، علينا أن نتجاوز الاكتفاء بإدانة التطرف وتسفيه مقولاته، وأن نبدأ بالتعامل مع الظاهرة بمنهج علمي وموضوعي، يفهم أسبابها وطريقة تفكير أصحابها والظروف التي تساعد على انتشارها، فلا يكفي أن نستنكر الجريمة كلما وقعت، ثم نعود إلى انتظار الجريمة التالية.
وأود هنا أن أتوقف عند مسألتين كثيرًا ما تثاران في النقاش حول التطرف، وهما دور القرآن الكريم والمناهج التعليمية، وأعتقد أن من الظلم تحميل دور القرآن ومراكز تحفيظه مسؤولية انتشار التطرف، أو تصويرها باعتبارها بيئة لإنتاج الأفكار المتشددة، فهذه المؤسسات تؤدي دورًا دينيًا وتربويًا واجتماعيًا مهمًا، وتستوعب أعدادًا كبيرة من الأطفال والشباب في أشد أوقات حياتهم حساسية، وتساعد على توجيه طاقاتهم نحو الحفظ والتعلم والأنشطة النافعة، وتوفر لهم بيئة تربوية يمكن أن تحميهم من الفراغ والانحراف.
ومن المهم التذكير بأن وزارة الأوقاف في الأردن تبذل جهودًا واسعة في هذا المجال؛ فقد بلغ عدد دور القرآن الكريم التي تديرها الوزارة نحو 1400 دار، فضلًا عن الأنشطة التعليمية والتربوية التي تنظمها، كما تقوم جمعية المحافظة على القرآن الكريم التي تشرف عليها الوزارة كذلك بدور مهم من خلال شبكة واسعة تضم أكثر من ألف مركز قرآني في مختلف مناطق المملكة، وأنا على يقين بأن وجود هذه المؤسسات يمثل فرصة تربوية كبيرة ينبغي استثمارها والبناء عليها، لا التشكيك فيها أو تحميلها مسؤولية انتشار التطرف دون دليل كما يحلو للبعض عند كل مأساة، لكن هل يكفي أن نعلم أبناءنا حفظ القرآن وتلاوته، أم ينبغي أن نساعدهم أيضًا على فهمه والتفكير في معانيه ومقاصده، وكيفية التعامل مع النصوص التي قد يساء تفسيرها أو توظيفها؟
إنني أدعو وزارة الأوقاف، وكذلك المؤسسات والجمعيات المعنية بتعليم القرآن الكريم، إلى رفد برامجها بأنشطة تنمي العقل، وتشجع على طرح الأسئلة والتفكير النقدي البناء، وتعلم الطلبة كيفية الاختلاف مع الآخرين واحترام آرائهم، ويمكن أن تتضمن هذه الأنشطة حلقات حوارية، وورشًا في التفكير والتحليل، وبرامج في الأخلاق والمواطنة والعمل التطوعي، فالمطلوب أن نجمع بين الحفظ والفهم، وبين المعرفة والسلوك، وأن نفتح أمام الشباب مجالات أوسع للتفكير والإبداع، وبذلك نعزز قدرتهم على مواجهة الأفكار المتطرفة والمتشددة.
لا أرى كذلك أن من الإنصاف تحميل المناهج المدرسية مسؤولية التطرف؛ فقد قدمت مدارسنا وجامعاتنا أجيالًا من المتعلمين والمختصين الذين أسهموا في بناء المجتمع وخدمته في شتى المجالات، لكن الاعتراف بهذا الدور لا يعني أن مناهجنا لا تحتاج إلى تطوير مستمر؛ وأعتقد أننا بحاجة إلى إعطاء التفكير النقدي مساحة أكبر في التعليم، وإدخال مبادئ علم المنطق والفلسفة بصورة تدريجية ومدروسة تتناسب مع أعمار الطلبة، فلسنا بحاجة إلى تحويل طلبة المدارس إلى فلاسفة، وإنما إلى تعليمهم كيف يفكرون، ويميزون بين الدليل والادعاء، وبين الرأي والحقيقة، وكيف يناقشون فكرة يختلفون معها دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة أو عداء، ومن المهم أيضًا أن تصبح الأخلاق والقيم ومهارات الحوار والنقاش جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية في جميع مراحلها، لا مجرد موضوعات عابرة في بعض الكتب، فما فائدة أن يحفظ الطالب عشرات التعريفات والقواعد والتواريخ إذا لم يتعلم كيف يستمع إلى زميله، ويحترم اختلافه الديني والفكري، ويرد الحجة بالحجة؟
أما مواجهة الأفراد والجماعات التكفيرية فكريًا، فتحتاج إلى فهم طريقة تعاملهم مع النصوص الدينية؛ فكثير من هذه الجماعات يتبنى فهمًا حرفيًا لبعض الآيات والأحاديث، ويفصلها عن سياقاتها التاريخية ومقاصدها الشرعية، ثم يبني عليها أحكامًا خطيرة تتعلق بتكفير الآخرين واستباحة دمائهم، ولذلك لا تكفي الخطابات العامة عن الوسطية والتسامح، بل لا بد من مناقشة النصوص التي يستندون إليها، وبيان الأخطاء في فهمها وتطبيقها بطريقة موضوعية أكاديمية، أما أصحاب الآراء الدينية المتشددة الذين لا يدعون إلى العنف، فينبغي التعامل معهم بالحوار الفكري، دون الخلط بينهم وبين الجماعات التي تمارسه أو تحرض عليه.
لكن المشكلة أن كثيرًا من المنتمين إلى الجماعات التكفيرية لا يعترفون بمرجعية المؤسسات الدينية الرسمية، وينظرون إلى علمائها باعتبارهم "علماء سلطان"، وقد يرفضون الاستماع إليهم أصلًا، ولهذا فإن إرسال محاضرين دينيين إلى السجون لا يضمن نجاح المراجعات الفكرية، ما لم يحظَ هؤلاء بقدر من الثقة والقبول لدى الفئات المستهدفة، فالحوار الحقيقي يحتاج إلى علماء مؤهلين، وقدرة على الإصغاء والمناقشة، بعيدًا عن التلقين والإجبار، ولا شك أن الدولة مسؤولة عن حماية المجتمع من الجرائم الإرهابية وملاحقة من يخططون للعنف أو يمارسونه، لكن الاقتصار على الإجراءات الأمنية لا يعالج الأفكار والظروف التي أنتجت التطرف، بل إن التضييق أحيانًا على فرص الشباب في المشاركة السياسية السلمية، أو ملاحقتهم بسبب نشاطهم السياسي المشروع، أو تعرضهم للظلم والإهانة، قد يمنح الجماعات المتطرفة مادة جديدة لتبرير أفكارها وتعزيز شعور أتباعها بالاضطهاد.
من الأخطاء التي ينبغي مراجعتها كذلك اختزال التطرف في سوء فهم الدين وحده، فهناك عوامل أخرى قد تساعد على انتشاره، منها الشعور بالظلم والتهميش المجتمعي، وغياب تكافؤ الفرص، والفساد، وضعف الثقة بالمؤسسات، وإضعاف الثقة بمسار التحديث السياسي أو تفريغه من مضمونه، ولا يعني ذلك أن الفقر أو البطالة يؤديان بالضرورة إلى التطرف، لكن الجماعات المتشددة قد تستغل هذه الظروف لاستقطاب بعض الشباب وإقناعهم بأن العنف هو الطريق إلى التغيير أو التعبير.
لذلك فإن أي إستراتيجية وطنية لمكافحة التطرف ينبغي أن تجمع بين المعالجة الفكرية والأمنية، والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والتأكيد على تعزيز سيادة القانون والعدالة وتكافؤ الفرص، ومن الضروري كذلك التمييز بين من يتبنى رأيًا دينيًا متشددًا، مهما اختلفنا معه، وبين من يحرض على العنف أو يمارسه، فليس كل متشدد إرهابيًا، ولا يجوز أن تتحول مكافحة التطرف إلى مبرر لملاحقة الناس بسبب آرائهم وحدها، وأعتقد أن مواجهة التطرف لا تبدأ عندما يحمل الإنسان السلاح، بل قبل ذلك بسنوات، عندما تتشكل أفكاره وتتكون نظرته إلى الآخرين، ويبدأ في الاعتقاد بأنه وحده يمتلك الحقيقة، وأن من يخالفه لا يستحق الاحترام أو الحقوق نفسها.
أخيرًا، لدينا في الأردن مؤسسات دينية وتعليمية واجتماعية عريقة وواسعة الانتشار يمكن أن تؤدي دورًا أكبر في حماية الشباب، وما نحتاج إليه ليس التشكيك فيها كما يحلو للبعض أيضًا، وإنما تطوير برامجها وتعزيز التعاون بينها، حتى تصبح أكثر قدرة على تلبية احتياجات الشباب الفكرية والتربوية والاجتماعية، فالتطرف لا يواجه بالإدانة وحدها، ولا بالقوة وحدها، وإنما حين نعلم أبناءنا أن يسألوا ويفكروا ويناقشوا، وأن يحترموا حق الآخرين في الاختلاف، وحين نؤسس لمجتمع أكثر عدلًا، وتعليم أكثر وعيًا، ومؤسسات تحمي أمن المواطنين وحقوقهم في الوقت نفسه.
صحيفة الغد