الهوية والمواطنة في مواجهة خطاب الكراهية
عيسى يوسف حدّاد
02-11-2026 12:21 PM
إن استهداف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، خلال تشييع جنازة، وسقوط شهداء وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة، ليس جريمة عابرة يمكن تجاوزها ببيان إدانة، بل جرس إنذار يمسّ أمن الأردن واستقراره، ويستدعي مواجهة حازمة للفكر الذي يغذّي الكراهية ويحوّل الاختلاف الديني إلى مبرّر لاستباحة الدماء والمقدسات.
إن الإرهاب لا يُواجَه بالبيانات والخطابات وحدها، بل باجتثاث الفكر المحرّض من منابعه، من خلال مراجعة المناهج التعليمية، وتنقيح الخطاب الديني من كل ما يغذّي التعصّب والتكفير، وتعزيز ثقافة التفكير النقدي واحترام الآخر، ومراقبة المنابر التي تُستغل لنشر الكراهية والتحريض، ومحاسبة كل من يُروّج لهذه الأفكار أو يُبرّرها وفق القانون. فالتساهل مع التحريض ليس تسامحاً، والصمت عن الكراهية ليس حياداً، والأمن الحقيقي لا يتحقّق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل بحماية الوعي وترسيخ المواطنة.
نحنُ مسيحيون، أتباع السيد المسيح، وهذه هويتنا التي نعتز بها. وقد ورد في سفر أعمال الرسل: "ودُعي التلاميذ مسيحيين أولًا في أنطاكية". أما مصطلح "النصارى"، الوارد في القرآن الكريم والتراث الإسلامي، فله سياقات وتفسيرات تاريخية ودينية مُتعددة. وليس اعتراضنا على ورود المصطلح في النصوص الدينية، بل على استخدامه لفرض تسمية لا نختارها لتعريف هويتنا. فالاحترام المتبادل يبدأ من حق كل إنسان في تعريف نفسه ومعتقده، بعيدًا عن الخلط أو الانتقاص.
فالنصارى مصطلح لجماعة يربط بعض الباحثين دلالته التاريخية بجماعات يهودية آمنت بالمسيح نبيًا، ولم تؤمن بألوهيته أو بعقيدتي الثالوث والفداء، وظلّت أقرب إلى اليهودية في معتقداتها وممارساتها؛ مع الإشارة إلى أن هذا التفسير ليس محل إجماع بين الباحثين.
إن العرب المسيحيين مكوّن أصيل من تاريخ المشرق وحضارته، وليسوا طارئين على هذه الأرض أو ضيوفاً في أوطانهم. والمسيحيون الأردنيون شركاء في بناء الدولة ومؤسساتها، وجزء لا يتجزأ من نسيجها الوطني. لذلك، فإن استهداف كنيسة أو مواطن بسبب إيمانه ليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم، بل على مبدأ المواطنة وحق جميع الأردنيين في الأمن والكرامة وحرية العبادة.
والكرك، بتاريخها الوطني العريق ومواقف أبنائها، ليست أرضًا للإرهاب، ولن تكون الكراهية عنواناً لعلاقات أهلها. لكن الوفاء للضحايا يقتضي الانتقال من الإدانة إلى الفعل، ووضع استراتيجية وطنية مستدامة لمواجهة الفكر التكفيري، وتعزيز المناهج التي تحترم الإنسان، وترسيخ خطاب ديني مسؤول، ومحاسبة المحرّضين، من دون تعميم الاتهام على جماعة دينية بأكملها.
إن الصمت عن خطاب الكراهية لا يحمي الاستقرار، والمجاملة في مواجهة الفكر الذي يُهدِّد المجتمع لا تصنع أمناً. والمطلوب دولة حازمة في تطبيق القانون، واضحة في حماية حرية الاعتقاد، لا تسمح لأي خطاب أو تنظيم بأن يجعل من الاختلاف الديني ذريعة للإقصاء أو العنف.
نحنُ عرب مسيحيون أردنيون؛ جذورنا ضاربة في أعماق هذه الأرض، وانتماؤنا لهذا الوطن، ومستقبلنا معه. لا نطلب امتيازاً، بل نتمسك بحقنا الكامل في المواطنة والكرامة والأمان. فالمواطنة ليست منّة من أحد، والانتماء الوطني لا يخضع لاختبار ديني، وحقوق الأردنيين ليست موضع مساومة.
الأردن أولاً؛ قولاً وفعلاً. ودولة القانون فوق الجميع، ولا دين يبرّر الكراهية، ولا فكر يُشرِّعن قتل الأبرياء. إن حماية الأردن تبدأ بحماية الإنسان، ومواجهة الفكر الظلامي، وصون كرامة كل مواطن، أيًّا كان دينه أو معتقده.
حمى الله الأردن والأردنيين، أرضاً وشعباً وجيشاً وقيادة، وعظّم الله أجر الوطن.