اللـوحة الفسيفسائية الأردنية والامتحان الصعب
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
01-11-2026 01:28 PM
لم تكن هويتنا الوطنية يوماً قالباً جامداً أو صوتاً أحادياً ، بل أن حباتها جمعت بعناية على هذه الأرض الطيبة المعطاءة لتخرج لوحة فسيفسائية متناسقة الألوان ، ديدنها التنوع ودأبها الاحترام البيني بين شتى المنابت والأصول والأعراق والأديان ، الذين تداخلوا فيما بينهم بشكل فريد ، وانسجموا وتمازجوا بشكل عفوي في سياق غير مسبوق ، لتكريس وإدامة مفهوم المواطنة الإيجابية الحقة
إن هذا التنوع ليس إرثا تاريخيا يُتغنى به كيفما اتفق ، بل هو حالة ديناميكية حية تضع مجتمعنا أمام استحقاق دائم يتجلى في الدفاع عن مواقفه الواضحة تجاه ممارسات السلم المجتمعي والعيش الواحد ، وحمايتها من سوء الظن والتأويل المؤذي ، فالدفاع عن تلك الممارسات ليس ضعفا او استكانة ، بل هو انعكاس عميق لمفهوم "الأمن والأمان" الذي يمثل قاعدة صلبة وركيزة أساسية للبقاء والاستمرار والتقدم
وفي عمق وجداننا الأردني فإن مفهوم "العيش الواحد" يتجاوز ابعاد كلمة "التعايش" التي تعني مجرد القبول بالآخر ومجاورته جغرافيا ، فالعيش الواحد هو وحدة مصير وترابط عضوي وانصهار وطني يستند بمعطياته إلى دستور كفل المساواة بين الجميع ، وإلى وعي مجتمعي يعمل جاهدا على مقاومة محاولات التجزئة والتفتيت الناجمة عن عديد المسببات وخاصة الإقليمية ، الاملر الذي يستدعي تحصين الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات التي يصعب تجاوزها او التغاضي عنها
ولابد من التنويه الى ان من اهم أسباب مابتنا نلاحظه من ارتداد نحو الهويات الفرعية وصعود الانتماءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية ، لهو وجود هذا الفضاء الرقمي الذي بات ساحة خصبة لبث السموم والإشاعات والاكاذيب والاخبار والمعلومات الملفقة ، وتحويل اتفه الخلافات إلى عتب مجتمعي ، ولذلك فإن "الاضطرار" لحماية سلمنا المجتمعي ليس دليلاً على الهشاشة ، بل أنه في الواقع يبرهن على وعي وحيوية الأردنيين وإدراكهم بأن كلفة التفريط بهذا السلم باهظة ، وأن بديل العيش الواحد لن ينجم عنه الا ضياع المكتسبات
إن الانتقال من حالة "الدفاع العفوي" إلى "التحصين المؤسسي"، يستدعي تطبيق القانون بحزم وعدالة دون تمييز، ليكون مرجعية وحيدة لمختلف الفئات المجتمعية ، كما ويتطلب الأمر من المعنيين العمل على صياغة رسائل إعلامية مؤطرة ، ومناهج تعليمية متخصصة ، تحارب خطاب التفرقة والتمييز (وخاصة الرقمي) وتعمل على تجذير قيم المواطنة الصادقة ، وتجفيف منابع الاحتقان الاقتصادي ، وتحقيق العدالة التنموية التي تخفف من مستويات الإحباطات المعيشية عبر توزيع المكتسبات بطريقة عادلة ومتوازنة على مستوى الوطن
وفي الختام اقول بإن التنوع في أردننا الحبيب سيبقى دائماً وأبدا مصدرا للفخر والتباهي والمنعة ، مادام وعينا المجتمعي يتقدم بخطوات ليسبق خطاب التحريض والتأليب والتفتيت ، ولطالما بقينا جميعا نؤمن بأن قوة هذا البلد الصامد المرابط تكمن في قدرة شتى منابته وأصوله وأديانه على صياغة مستقبل زاهر وواعد ، تحت افياء قيادتنا الهاشمية المظفرة لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وولي عهده الامين