تأخير الشيب .. رهان جديد لابتكارات العناية بالشعر
25-10-2026 02:33 PM
عمون - لم يعد فهم الشيب مقتصراً على ارتباطه بالتقدم في العمر، إذ تتجه الأبحاث العلمية إلى دراسة العمليات البيولوجية التي تؤدي إلى فقدان الشعر لونه الطبيعي، بحثاً عن طرق يمكن أن تساعد مستقبلاً على إبطاء هذه العملية.
وبين دور الخلايا المسؤولة عن إنتاج الصبغة وتأثير الإجهاد التأكسدي والعوامل الوراثية، تتسع المعرفة العلمية بواحدة من أكثر علامات شيخوخة الشعر وضوحاً.
هذا التقدم لا يعني أن إيقاف الشيب أصبح ممكناً، لكنه يفتح الباب أمام مقاربة مختلفة، تبدأ بفهم ما يحدث داخل بصيلات الشعر قبل ظهور الشعيرات البيضاء، وتبحث في العوامل التي قد تؤثر في توقيت ظهورها وسرعة انتشارها.
ويكتسب الشعر لونه من الميلانين، وهي الصبغة التي تنتجها خلايا متخصصة تُعرف بالخلايا الميلانينية داخل بصيلات الشعر. وتختلف كمية الميلانين ونوعه من شخص إلى آخر، وهو ما يفسر تنوع ألوان الشعر الطبيعية.
مع التقدم في العمر، تتراجع كفاءة النظام المسؤول عن إنتاج هذه الصبغة وتوزيعها على الشعرة النامية. وعندما تنخفض كمية الميلانين، يبدأ الشعر بفقدان لونه تدريجياً، فتظهر الشعيرات الرمادية قبل أن تصبح بيضاء.
ولا تحدث هذه العملية وفق جدول زمني موحد. فالعوامل الوراثية تؤدي دوراً أساسياً في تحديد موعد ظهور الشيب، كما تختلف سرعة انتشاره تبعاً للخصائص البيولوجية لكل شخص. وقد يبدأ لدى البعض في سن مبكرة، بينما يحتفظ آخرون بلون شعرهم الطبيعي لفترة أطول.
وتُعد الخلايا الجذعية الميلانينية من العناصر الأساسية التي يدرسها العلماء لفهم أسباب الشيب. توجد هذه الخلايا في مناطق محددة من بصيلات الشعر، وتؤدي دوراً في تجديد الخلايا المسؤولة عن إنتاج الصبغة خلال دورات نمو الشعر.
ومع مرور الوقت، قد يتراجع مخزون هذه الخلايا أو تتأثر قدرتها على العمل والتجدد، ما يحد من إنتاج الميلانين.
وقد أظهرت أبحاث تم نشرها عام 2023 أن اضطراب حركة الخلايا الجذعية الميلانينية داخل بصيلات الشعر، وفقدانها المرونة اللازمة للانتقال بين الحالات الخلوية المختلفة، قد يسهمان في ظهور الشيب.
وتساعد هذه النتائج على توسيع فهم العلماء للآليات التي تقف وراء فقدان الشعر لونه، لكنها لا تعني أن استعادة وظائف هذه الخلايا أو إعادة تنشيطها أصبحتا خياراً علاجياً مثبتاً لدى البشر. فما زال الانتقال من فهم الآلية البيولوجية إلى تطوير تدخل آمن وفعال يتطلب مزيداً من الأبحاث.
ومن الآليات الأخرى التي تحظى باهتمام الباحثين الإجهاد التأكسدي، الذي يحدث عندما يختل التوازن بين الجذور الحرة والقدرة المضادة للأكسدة داخل الخلايا. ويمكن لهذا الاختلال أن يسهم في إلحاق الضرر بالمكونات الخلوية، بما فيها الأنظمة المرتبطة بإنتاج الصبغة.
وتشير الدراسات إلى أن تراكم الأضرار الخلوية مع التقدم في العمر قد يكون أحد العوامل التي تؤثر في عمل الخلايا الميلانينية. كما يجري بحث العلاقة بين الإجهاد النفسي وبعض التغيرات التي تصيب الخلايا المسؤولة عن لون الشعر.
لكن العلاقة ليست بسيطة أو مباشرة في جميع الحالات. فظهور الشيب لا يُعزى إلى عامل واحد، ولا توجد أدلة كافية تتيح الجزم بأن تقليل التوتر أو زيادة استهلاك مضادات الأكسدة وحدهما قادران على تأخير ظهوره. وتظل الوراثة والعمر من أهم العوامل المؤثرة في هذه العملية.
لا تتوافر حتى الآن طريقة مثبتة علمياً تضمن منع الشيب الطبيعي أو تأخيره لدى الجميع. ومع ذلك، يساعد فهم الأسباب المحتملة على التمييز بين الشيب المرتبط بالشيخوخة الطبيعية والحالات التي قد تتداخل فيها عوامل صحية قابلة للتقييم.
ففي بعض الحالات، قد يرتبط ظهور الشيب المبكر بنقص بعض العناصر الغذائية، مثل فيتامين B12، أو باضطرابات صحية معينة. ولا يعني ذلك أن كل حالة من الشيب المبكر تشير إلى مشكلة صحية، بل إن التقييم الطبي يصبح مهماً عندما يظهر التغير بصورة غير معتادة أو يترافق مع أعراض أخرى.
ويظل الحفاظ على تغذية متوازنة والاهتمام بالصحة العامة خيارين منطقيين لدعم وظائف الجسم، لكن لا ينبغي التعامل مع المكملات الغذائية باعتبارها وسيلة لإعادة لون الشعر أو تأخير الشيب، ما لم توجد حاجة غذائية مثبتة وتوصية طبية مناسبة.
ويعكس الاهتمام المتزايد ببيولوجيا الشعر تحولاً في طريقة دراسة شيخوخته.
فبدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع اللون الأبيض بعد ظهوره، يحاول الباحثون تحديد التغيرات التي تسبق فقدان التصبغ، وفهم كيفية تفاعل الخلايا الجذعية والبيئة المحيطة بالبصيلة والعوامل الوراثية مع مرور الوقت.
ومع ذلك، يبقى الفرق كبيراً بين اكتشاف آلية بيولوجية وتطوير وسيلة فعالة للتأثير فيها.
فحتى الآن، لا يوجد علاج ثبتت قدرته على إعادة اللون الطبيعي للشعر الأبيض بصورة موثوقة، كما أن النتائج الأولية لا تكفي وحدها لإثبات إمكان منع الشيب.
قد تقود هذه الأبحاث مستقبلاً إلى فهم أدق لشيخوخة الشعر، وربما إلى خيارات جديدة للتعامل معها. أما في الوقت الحالي، فتبقى المعرفة العلمية المتزايدة خطوة مهمة نحو تفسير هذه الظاهرة، من دون تحويل الآمال البحثية إلى وعود لم يثبت العلم صحتها بعد.
العربية