خطاب العرش .. حين يتحدث الملك بلغة الوطن، ينتظر الأردنيون لغة الإنجاز
د. أميرة يوسف ظاهر
03-11-2026 12:32 AM
ماذا يعني خطاب العرش للمواطن الأردني العادي؟ ليس سؤالا بروتوكوليا، بل سؤال يتصل بحياته وتطلعاته؛ فهو يستمع إلى خطاب يحدد أولويات الدولة ويرسم ملامح المرحلة، ثم يتطلع إلى أن يرى أثر مضامينه في واقعه ومستقبل أبنائه. ومن هنا فإن أهمية خطاب العرش لا تقف عند ما يحمله من رسائل، وإنما تمتد إلى ما يفتحه من آفاق للعمل الوطني والإنجاز.
في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، يوم الاثنين، 2 تشرين الثاني 2026، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أقرب إلى خطاب مرحلة، جمع بين حماية الأمن والاستقرار، وترسيخ سيادة القانون، وتطوير الحياة السياسية، وتسريع التحديث الاقتصادي، وتعزيز الأمن المائي، والتمسك بالثوابت الأردنية والعربية. وهي أولويات تتصل ببعضها، وتلتقي جميعها عند مصلحة المواطن والأردن.
كان البدء من الكرك، ومن دماء الشهداء يحمل دلالة وطنية عميقة. فحين قال جلالة الملك عن الإرهابيين: «فهؤلاء ليسوا منا.. هؤلاء خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة.. وخانوا هذه الأسرة.. فلا مكان لهم بيننا.. لا اليوم ولا غدا»، لم يكن يدين فعلا إجراميا فحسب، لكنه يرسخ معنى الأسرة الوطنية الواحدة، ويرفض أن تنال الجريمة من وحدة المجتمع أو أن تحمل منطقة أو عشيرة أو جماعة مسؤولية أفعال أفراد. إنها رسالة تؤكد أن قوة الأردن في تماسك أبنائه، وفي وعيهم وحكمتهم حين تشتد المحن.
ومن الأمن إلى سيادة القانون، جاءت العبارة الملكية «القانون لا يعرف اسما، ولا منصبا، ولا نفوذا» لتؤكد مبدأ الدولة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون. فالوظيفة العامة، كما أكد الخطاب، ليست تشريفا يرفع صاحبها عن العمل أو خدمة الناس، بل مسؤولية وأمانة. ولا تكتمل هيبة الدولة إلا حين يلمس المواطن أن القانون يسري على الجميع، وأن المنصب لا يمنح صاحبه حصانة أو امتيازا.
وفي رسالته إلى مجلس الأمة، وضع جلالة الملك أمام الأعيان والنواب مسؤولية تتجاوز التشريع والرقابة إلى السلوك والخطاب، مؤكدا أن المجلس ينبغي أن يكون «صوتا للوطن، وحارسا للمصلحة العامة، ورقيبا على الأداء الحكومي، واضعا مصلحة الأردنيين أولا». وهذه إشارة مهمة إلى أن الحياة البرلمانية لا تقاس بما يصدر عنها من قوانين وحدها، وإنما بقدرتها على تمثيل الناس، واحترام اختلاف الآراء، وتقديم المصلحة الوطنية على ما عداها. فالخطاب وهو يؤكد مكانة مجلس الأمة بوصفه ركنا أساسيا ومقدما في الحياة السياسية، يضعه في الوقت ذاته أمام مسؤولية الحفاظ على ثقة الأردنيين، من خلال أداء يعكس تطلعاتهم ويصون المصلحة العامة.
كما حمل تأكيد جلالته أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور ويحميه، وأن «صدر هذا الوطن وصدرنا رحب أمام كل رأي.. مخلص ومسؤول»، رسالة تعزز المشاركة والحوار وأدب الاختلاف. فالرأي المسؤول قيمة وطنية، والإنصات إليه يثري القرار العام، ويجعل المواطن شريكا في مسيرة البناء، لا مجرد متلق لنتائجها. وهي دعوة إلى ترسيخ ثقافة الاختلاف المسؤول، حيث تتسع المساحة للرأي، وتبقى مصلحة الأردن هي الغاية الجامعة.
اقتصاديا، أعاد الخطاب التأكيد على ضرورة تسريع إنجاز المشاريع الكبرى ضمن مسار التحديث الاقتصادي. لكن الرسالة الأهم جاءت في تعريف جلالته للتنمية الحقيقية، حين أكد أنها «التي يلمس المواطن أثرها في معيشته، وفرصه، وتعليمه، وعلاجه، ومستقبل أبنائه». وهنا تتحدد معايير النجاح من منظور المواطن: فرص عمل حقيقية، وخدمات أفضل، وتعليم نوعي، ورعاية صحية تليق بالناس، ومستقبل أكثر استقرارا للأسر والشباب. فالتنمية لا تقاس بحجم المشاريع والخطط المعلنة وحدها، لكن بما تتركه من أثر ملموس في حياة الناس وجودة معيشتهم.
أما الأمن المائي، فقد حضر بوضوح لافت، بوصفه أولوية وطنية لا تقبل المساومة، إذ أكد جلالة الملك: «أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف». ووجه الحكومة إلى الاستمرار في مشاريع الأمن المائي، ووضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن بما يضمن استدامتها وحقوق الأجيال القادمة. وهو ملف يتطلب عملا متواصلا وتكاملا في الجهود، لما يمثله من أهمية مباشرة لأمن الأردن واستقراره، ولما يرتبط به من حق أساسي لكل مواطن.
وفي البعد العربي، جدد جلالة الملك ثبات الموقف الأردني تجاه فلسطين، مؤكداً أنه «لا سبيل للأمن والاستقرار في منطقتنا، دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه». كما حذر من أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية تبقى أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها. وهو موقف يعبر عن ثوابت الأردن ودوره في الدفاع عن قضايا الأمة، وعن إدراكه لارتباط القضية الفلسطينية بأمن المنطقة واستقرارها.
ما الذي يبقى في وجدان الأردنيين بعد الخطاب؟ اعتزاز بوطن يحافظ على أمنه ووحدته وثوابته، وثقة برؤية تضع مصلحة المواطن في صلب القرار، وتطلع إلى أن تتكامل جهود الحكومة ومجلس الأمة ومؤسسات الدولة في ترجمة هذه الأولويات إلى عمل وإنجاز. وهذه ليست مطالبة منفصلة عن الانتماء، بل هي من صميم الحرص على الوطن ومستقبله؛ فالمواطن الذي يعتز بوطنه من حقه أن يرى أثر السياسات والقرارات في حياته اليومية.
لقد جدد جلالة الملك رهانه على الأردنيين، وعلى وعيهم حين تلتبس الطرق، وحكمتهم حين تعلو الانفعالات، وإخلاصهم ووفائهم حين تشتد المحن. وهذا الرهان يعكس الثقة بقدرة المجتمع الأردني على تجاوز التحديات، كما يحمل الجميع مسؤولية الحفاظ على منعة الأردن، وتعزيز مسيرته، والعمل بروح الفريق الواحد من أجل مستقبله.
لقد رسم خطاب العرش اتجاه المرحلة، وحدد مسؤوليات مؤسساتها، وجدد الثقة بقدرة الأردنيين على مواصلة مسيرة البناء. فالأردن الذي يعتز أبناؤه بالوقوف معه في أوقات الشدة، يستحق أن تتضافر الجهود من أجل قوته وازدهاره، وأن يبقى المواطن محور التنمية وغايتها. فالخطاب يحدد الطريق، أما الإنجاز فيصنعه العمل الوطني المشترك.