أقترح على مؤسسة المواصفات والمقاييس أن تدرج في اختصاصها مهمة طريفة: وزن المشاهير الخناشير. فقد اختلطت علينا المكاييل، وصار بعض الهواء أثقل من الذهب، حتى بتنا نحتاج إلى ميزان يفرّق بين حجم الإنسان وحجمه على الشاشة. تفتح هاتفك فتجد وجها يحتل الجهات كلها، يوزع النصائح والحكم والابتسامات، فتظنه أحد كبار العارفين. وما إن تقترب حتى تكتشف أن الجبل الذي سد الأفق لم يكن سوى بالون كبير. الأطرف أنك إن سألت عن منجزاته، أحالوك إلى عدد متابعيه، كأن الشهرة تستطيع أن تكون دليلا على نفسها.
من أين جاءت هذه القامات الهائلة؟ لا تحتاج المسألة إلى معجزة، فلدينا مضخات تعمل ليل نهار: جمهور ينفخ بالتصفيق، وخوارزميات تنفخ بالتكرار الغبي، ومنصات تمنح الضجيج مكبرات إضافية. هكذا يظهر بيننا عمالقة بالمضخة، يرتفعون دون أن ينموا، ويتضخمون دون أن تزداد معارفهم قيراطا. والمصيبة أنهم يصدقون أحجامهم الجديدة، فينظرون إلى الناس من أعالي أبراجهم الهوائية، ويحسبون الانتفاخ نوعا من الارتقاء.
في أزمنة كهذه، لربما يصبح عدد المتابعين شهادة كفاءة وخبرة وجواز سفر لوظيفة أو حظوة لدى المسؤولين الأغبياء، وقد تغدو المشاهدات صكا يعفي صاحبها من الأسئلة والتحري والنبش لكشف الرغام والسخام في تفكيرهم، وتعريتهم وإعادتهم إلى أحجامهم الحقيقية.
منذ زمن أرحت نفسي من سطوة «اللايكات» وعددها. هي تقيس التفاعل المنفلش المنفلت على وسائل التواصل فقط، ولا تزن الأفكار وعمقها. أحيانا يكتب عالم كبير خلاصة عمره فلا ينتبه إليه إلا القليل، فيما يحصد مهرج فارغ جمهورا هائلا بحركة من حاجبيه. الهاتف غدا سوقا ترتفع فيها الأسعار بحسب الصخب والضجيج المطعم بالرداءة والتفاهة، وهنا ستحتاج الفكرة الجديرة بالحياة إلى موافقة الخوارزمية لتستحق الانتباه إليها. مع التأكيد أنه ليس كل مشهور فارغا، ولا كل مغمور نابغة؛ الخلل يا صاحبي وقت نخلط بين الانتشار والاستحقاق، ونكافئ الإثارة والبهرجة كما لو كانت إبداعا.
وما يقلقني أكثر من جمهور مأخوذ بالصخب، صانع قرار يقيس الكفاءة بعدد المشاهدات، فيدعو أصحاب الأرقام إلى الصفوف الأولى، ويترك أهل المعرفة في الممرات. عندها لا تكتفي المضخة بنفخ الأفراد؛ تبدأ بنفخ المعايير نفسها، حتى يصبح على الموهوب أن يتعلم الصراخ ليُسمع. وهكذا تنمو الرداءة في الضوء، فيما تقضي المواهب الحقيقية أعمارها تبحث عن نافذة.
الفقاعات جميلة تلمع ككواكب درية وتبدو مثالية. لكن إن جد الجدُّ لا أحد يبني بيته داخل فقاعة منها. ومع هذا تظل المشكلة العويصة أن نسلم فقاعاتنا مفاتيح الذوق والرأي العام، ونحسبها نجوما رزينة تعمر إبراج السماء وتضيء مداراتها.
لا أعرف إن كان توقف المضخة سيضمن عودة الموهومين إلى أحجامهم الحقيقية، فالوضع صار ضبابيا عصيا على التحليل. ما أعرفه أن أكثر ما يرعب عمالقة المضخة أن تطرأ على الناس فكرة الدبوس.
الدستور