facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأمن المائي في الأردن: من خطاب العرش السامي إلى التنفيذ


أ. د. رضوان الوشاح
03-11-2026 09:09 AM

يشكل الأمن الماني أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه الأردن في ظل محدودية موارده الطبيعية، وتزايد الطلب بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني والاحتياجات التنموية، إلى جانب آثار التغير المناخي وتذبذب الهطول المطري ومن هنا، فإن التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش السامي ل جلالة الملك عبدالله الثاني أمام افتتاح مجلس الأمة تؤكد ضرورة الانتقال من إدارة الندرة المائية إلى بناء القدرة من خلال منظومة وطنية مستدامة، قادرة على حماية الموارد وتطويرها وضمان وصول المياه للمواطنين والقطاعات الإنتاجية. لم تعد قضية المياه مقتصرة على توفير خدمة أساسية، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الوطني والغذائي والاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وترجمة التوجيهات الملكية إلى نتائج ملموسة تتطلب رؤية متكاملة تجمع بين تطوير مصادر المياه، ورفع كفاءة استخدامها، وحماية الحقوق المانية الأردنية في الأحواض المشتركة، وتعزيز الحوكمة والتعاون الإقليمي.

الناقل الوطني: مشروع استراتيجي للمستقبل

يمثل مشروع الناقل الوطني للمياه، القائم على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى المحافظات، أحد أهم المشروعات الاستراتيجية في تاریخ قطاع المياه الأردني وتبلغ طاقته المستهدفة نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً، بما يوفر مصدراً إضافياً مهما، ويخفف الضغط على الأحواض الجوفية التي تعرضت للاستنزاف، ويعزز قدرة المملكة على تلبية احتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية ويتطلب نجاح ا المشروع ضمان استدامته المالية والتشغيلية، وإدارة كلف الطاقة بكفاءة، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، إلى جانب تطوير شبكات النقل والتوزيع وتقليل الفاقد. وينبغي النظر إلى الناقل الوطني باعتباره ركيزة ضمن منظومة متكاملة، لا بديلاً عن حماية المصادر المحلية أو تحسين إدارة الطلب على المياه.

حقوق الأردن في الأحواض المائية المشتركة

لا يمكن تحقيق الأمن المائي الأردني بالاعتماد على المشروعات الداخلية وحدها فجزء مهم من الموارد المائية يرتبط بأحواض مشتركة مع دول الجوار، وفي مقدمتها حوض نهر الأردن وروافده ونهر اليرموك، فضلاً عن موارد المياه الجوفية المشتركة . ولذلك، فإن صون الحقوق المائية الأردنية يتطلب سياسة إقليمية فاعلة تستند إلى الاتفاقيات القائمة، والبيانات العلمية، والتفاوض المستمر، والتعاون الفني والدبلوماسي. ويقتضي ذلك انتظام اجتماعات اللجان المشتركة، وتبادل البيانات الهيدرولوجية، وتشغيل محطات الرصد والقياس، وتقييم أثر السدود ومشروعات التخزين والتحويل على التدفقات المائية، ومعالجة أي اختلالات عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية والفنية كما ينبغي توثيقالتدفقات والكميات والنوعية بصورة دورية، وتعزيز القدرة التفاوضية الأردنية بالدراسات والخبرات المتخصصة.

إن المطالبة بحقوق الأردن المائية ليست دعوة إلى الصراع، بل تأكيد على العدالة والإنصاف واحترام الاتفاقيات وقواعد القانون الدولي ذات الصلة. فالتعاون العادل في الأحواض المشتركة يخدم مصالح جميع الأطراف ويعزز الاستقرار الإقليمي، بينما يؤدي عدم الالتزام بالترتيبات المتفق عليها إلى زيادة الضغوط على الدول الأشد شحاً بالمياه.

خفض الفاقد وحماية الموارد المحلية

يمثل خفض الفاقد الماني أولوية لا تقل أهمية عن تطوير مصادر جديدة. فالتسربات والاعتداءات والاختلالات الفنية والإدارية تؤدي إلى خسارة كميات يمكن أن تسهم في تقليص العجز ومن هنا تبرز الحاجة إلى تسريع تحديث الشبكات وتوسيع مناطق القياس، واستخدام العدادات الذكية، وتطبيق تقنيات الكشف المبكر عن التسربات، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتحديد مواقع الخلل وترتيب أولويات الصيانة. وبالتوازي، لا بد من حماية المياه الجوفية من الاستنزاف والتلوث، وتنظيم الضخ وفق القدرة المتجددة للأحواض، وتشديد الرقابة على الآبار المخالفة. فالمياه الجوفية مخزون استراتيجي ينبغي إدارته بحذر، لا مورداً قابلاً للاستنزاف دون حدود.

الحصاد الماني والتكيف مع التغير المناخي

يمتلك الأردن فرصاً مهمة لتوسيع مشروعات الحصاد المائي، من خلال السدود والحفائر والبرك الزراعية، واستثمار مياه السيول والجربان السطحي، وتشجيع حصاد مياه الأمطار في المباني والمنشآت العامة والمزارع ولا تقتصر فوائد هذه المشروعات على زيادة المياه المتاحة، بل تشمل تغذية المياه الجوفية والحد من انجراف التربة، وتقليل مخاطر الفيضانات الوميضية وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع التغير المناخي. ويتطلب ذلك تحديث الدراسات الهيدرولوجية واستخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد والنمذجة الهيدرولوجية لتحديد المواقع الملائمة، وتصميم المنشآت وفق أسس علمية تراعي تغير شدة الهطول المطري وتكرار العواصف.

المياه المعالجة والتكامل بين المياه والطاقة والغذاء

يمثل التوسع في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها وفق المعايير الصحية والبيئية فرصة مهمة لتوفير موارد إضافية، خصوصاً للزراعة المقيدة والصناعة وبعض الاستخدامات غير المنزلية، بما يخفف الطلب على المياه العذبة ويوجهها إلى الاستخدامات ذات الأولوية . كما ينبغي تعزيز التكامل بين المياه والطاقة والغذاء، وتحسين كفاءة الري، وتشجيع المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه والأعلى قيمة اقتصادية، مع توفير الإرشاد والحوافز للمزارعين.

الحوكمة والتنفيذ وقياس النتائج

يتطلب النجاح برنامجاً تنفيذياً واضحاً يحدد الأولويات والمسؤوليات والتمويل والجداول الزمنية، ويربط المشروعات بمؤشرات أداء قابلة للقياس، من أبرزها خفض الفاقد وتحسين كفاءة التزويد، وتقليل استنزاف المياه الجوفية، وزيادة كميات المياه المعالجة والمعاد استخدامها، والتوسع في الحصاد الماني كما ينبغي نشر تقارير دورية شفافة وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص، وتوجيه البحث العلمي نحو حلول عملية في التحلية وإدارة الجفاف والإنذار المبكر وتقليل استهلاك الطاقة.

الأمن المائي مسؤولية وطنية مشتركة

إن ترجمة التوجيهات الملكية إلى واقع ملموس تستدعي التعامل مع العجز الماني باعتباره تحدياً استراتيجياً طويل الأمد، لا أزمة موسمية . ويتطلب ذلك تكامل المشروعات الكبرى، وفي مقدمتها الناقل الوطني، مع حماية المصادر المحلية، وخفض الفاقد والحصاد الماني، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وصون الحقوق الأردنية في الأحواض المشتركة من خلال التفعيل العادل والمنتظم للاتفاقيات.

ويمتلك الأردن خبرات علمية وهندسية ومؤسسية تؤهله لتعزيز أمنه الماني، إذا توافرت الإرادة التنفيذية والتخطيط المتكامل والاستثمار المستدام والمساءلة المبنية على النتائج فالمياه ليست مجرد خدمة أساسية، بل أساس الحياة والتنمية والاستقرار والمرحلة المقبلة تتطلب عملاً وطنياً متكاملاً يحول التوجيهات الملكية إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس، ويحمي حقوق الأردن وموارده، ويؤسس لمستقبل أكثر أمناً واستدامة للأجيال القادمة.

*أستاذ هندسة المياه الجامعة الاردنية وخبير إدارة الموارد المائية والهيدرولوجيا





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :