العلاقة الأردنية السورية علاقة تكامل ومصير مشترك .. وليست ساحة للمناوشات أو الفتن
السفير د. موفق العجلوني
02-11-2026 10:23 AM
في خضم التطورات الأخيرة التي أعقبت عملية «درعاً – حمود»، وما رافقها من سجالات وتفاعلات إعلامية، تبرز أهمية التعامل مع الأحداث بمسؤولية وطنية وسياسية عالية، والحذر من محاولات بعض الأطراف استغلال الحادثة لإثارة الخلافات وتأجيج المشاعر، وصولاً إلى الإضرار بالعلاقات الأردنية السورية، التي تتجاوز في عمقها وأبعادها أي خلاف عابر أو تطور ظرفي.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات معالي وزير الخارجية السوري اسعد الشيباني ، التي أكد فيها بوضوح: « لا مناوشات مع الأردن بل تكامل في مختلف القطاعات »، أهمية سياسية ودبلوماسية بالغة، فهي تعكس إدراكاً لطبيعة العلاقة بين البلدين، وتؤكد أن العلاقة الأردنية السورية ينبغي أن تقوم على التعاون والتنسيق وتكامل المصالح، لا على المناكفات أو التصعيد أو تبادل الاتهامات.
إن هذا الموقف المسؤول يمثل رسالة واضحة إلى كل من يحاول الاصطياد في المياه العكرة، أو تصوير ما قد ينشأ من تباينات في وجهات النظر على أنه خلاف استراتيجي بين عمّان ودمشق. فالعلاقة بين البلدين ليست علاقة مصالح عابرة، بل هي علاقة تاريخ وجغرافيا ومصير مشترك، وروابط اجتماعية وإنسانية متجذرة بين الشعبين الشقيقين.
إن الاختلاف في تقييم عملية عسكرية أو أمنية، مهما كانت أسبابه وتداعياته، لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل للتحريض المتبادل أو الإساءة إلى الشعبين، ولا يجوز أن يكون ذريعة لتقويض الثقة بين بلدين تجمعهما حدود طويلة، ومصالح متشابكة، وتحديات أمنية واقتصادية وسياسية مشتركة.
وفي هذا الإطار، يكتسب ما طرحه الإعلامي السوري فيصل القاسم، مقدم برنامج «الاتجاه المعاكس» في شبكة الجزيرة الإعلامية، في مقاله المنشور في صحيفة «عمون» الغراء، أهمية خاصة، حين تساءل عن المستفيد من الحملة الإعلامية الموجهة ضد الأردن، مشيراً إلى أن الأردن كان، منذ التحرير، من أكثر الدول تعاوناً مع الأشقاء السوريين، وأن التنسيق بين عمّان ودمشق بلغ مراحل متقدمة.
كما أشار القاسم إلى الدور الأردني في مكافحة الإرهاب وعصابات المخدرات، والجهود المبذولة لإيجاد حلول للتحديات القائمة في الجنوب السوري، محذراً من الانجرار وراء آلاف الحسابات التي تسعى إلى تعكير صفو العلاقات بين البلدين، ومؤكداً أن معالجة الحوادث والخلافات لا تكون بالتحريض وتأجيج الخصومات وصناعة الترندات الإعلامية.
ويُحسب لفيصل القاسم هذا الموقف المتوازن، الذي يرفض تحويل الحوادث والمآسي إلى وقود لفتنة سياسية وإعلامية بين الأردن وسوريا، ويضع مصلحة الشعبين فوق الحسابات الشخصية والأجندات الضيقة.
العلاقات الأردنية السورية أكبر من أن تختزلها منصات التواصل الاجتماعي
من الضروري التأكيد أن العلاقات بين الدول لا تُدار عبر منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تُبنى المواقف السياسية على مقاطع مجتزأة أو روايات غير مكتملة أو حسابات مجهولة، وإنما من خلال القنوات الرسمية والاتصالات الدبلوماسية والحوار المباشر واللجان المشتركة.
ومن هنا، فإن الاتفاق الأردني السوري على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في تفاصيل العمليات الأخيرة ومتابعة تداعياتها، يمثل خطوة إيجابية ومسؤولة باتجاه معالجة المسائل الخلافية، وتحديد الوقائع والحقائق، وتعزيز التنسيق الأمني، بعيداً عن الضجيج الإعلامي ومحاولات التصعيد.
إن اللجوء إلى الحوار والتنسيق المؤسسي يعكس نضج العلاقات بين البلدين، ويؤكد أن أي تباين يمكن التعامل معه ضمن الأطر الرسمية، وبما يحفظ مصالح الطرفين ويصون أمنهما واستقرارهما.
الأردن وسوريا.. حكاية أخوة وتاريخ ومصير مشترك.
ولعل ما يدفعني إلى التأكيد على عمق هذه العلاقة ليس فقط موقعي الدبلوماسي واهتمامي بالشأن العربي، وإنما أيضاً تجربة شخصية وإنسانية أعتز بها كثيراً. فقد عشت أنا وعدد من إخوتي وأقاربي وأصدقائي في سوريا، حيث كنا طلاباً في جامعة دمشق العريقة، تلك المؤسسة العلمية والأكاديمية التي احتضنت أجيالاً من الطلبة العرب، وكانت مناراتها العلمية والفكرية حاضرة في وجداننا ومسيرتنا.
لقد كنا بين أهلنا، ولم نشعر يوماً بالغربة، بل كنا معززين مكرمين، نعيش في سوريا كما لو كنا في بيوتنا وبين أهلنا في الأردن. ونهلنا من العلم والمعرفة على أيدي نخبة من أساتذة الجامعات والعلماء في مختلف التخصصات، من القانون والطب والهندسة والاقتصاد والآداب والشريعة، وغيرها من ميادين المعرفة والعلوم.
ولسوريا، شعباً وجامعاتٍ ومؤسساتٍ وأساتذةً، فضل كبير علينا، سيبقى محفوراً في ذاكرتنا ووجداننا، وسنظل نحمل لها ولشعبها الشقيق كل التقدير والوفاء والامتنان.
وهذه التجربة ليست تجربة فردية معزولة، بل هي صورة من صور العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تربط الأردنيين والسوريين؛ فكم من أسرة أردنية لها أقارب وأصدقاء في سوريا، وكم من أسرة سورية لها امتدادات وروابط في الأردن، وكم من جيل تعلّم وعمل وعاش في البلدين، حتى أصبحت الحدود الجغرافية عاجزة عن الفصل بين مشاعر الأخوة والانتماء والمودة.
إن الأردن وسوريا عائلة واحدة، تجمعهما أواصر القربى وحسن الجوار والامتداد التاريخي والجغرافي والمصالح المشتركة. ومن هذا المنطلق، فإن أمن سوريا من أمن الأردن، وأمن الأردن من أمن سوريا، واستقرار أحد البلدين يشكل ركيزة أساسية لاستقرار الآخر.
إن التحديات التي تواجه البلدين، وفي مقدمتها الإرهاب وتهريب المخدرات والجريمة المنظمة وأمن الحدود والتحديات الاقتصادية، تفرض تعزيز التعاون والتنسيق والتكامل، لا الانشغال بالخلافات الإعلامية أو الانجرار وراء حملات التشكيك والتحريض.
فالأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ، ينطلق في علاقاته مع سوريا من الحرص على أمنها واستقرارها وسيادتها، ومن إيمانه بأن استقرار سوريا يشكل مصلحة أردنية وعربية عليا. كما أن سوريا، في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها وتعزيز استقرارها، بحاجة إلى علاقات متينة وتعاون بناء مع محيطها العربي، وفي مقدمته الأردن، الذي تربطه بها وشائج تاريخية ومصالح استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
ولذلك، فإن مفهوم التكامل الذي أشار إليه معالي وزير الخارجية السوري الشيباني يجب أن يتحول إلى نهج عملي وسياسة مستدامة، من خلال تعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي والأمني والاقتصادي والتجاري، وتفعيل اللجان المشتركة، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، وتوسيع آفاق التعاون في قطاعات النقل والطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من القيادتين والحكومتين في الأردن وسوريا العمل على تحصين العلاقات الثنائية من محاولات التشويش والتأزيم، وتغليب المصالح الاستراتيجية على ردود الفعل الآنية، وإدراك أن التحديات المشتركة أكبر بكثير من أي خلاف يمكن معالجته بالحوار والتفاهم.
إن ما نحتاج إليه اليوم هو التصدي للأصوات التي تتغذى على الفتنة، سواء صدرت من هنا أو هناك، ومواجهة خطاب الكراهية الذي يحاول تصوير الأردن عدواً لسوريا، أو السوريين خصوماً للأردن. فليس من مصلحة الشعبين أن تتحول حادثة أمنية، مهما بلغت خطورتها، إلى أزمة ثقة أو حالة عداء بين بلدين يجمعهما التاريخ والجغرافيا والمصالح والمستقبل المشترك.
لقد أصاب الاعلامي العريق فيصل القاسم حين طرح سؤاله: لمصلحة من هذه الحملة ضد الأردن؟ وهو سؤال ينبغي أن يوجه أيضاً إلى كل من يسارع إلى صب الزيت على النار، دون انتظار نتائج التحقيقات أو الاستماع إلى الروايات الرسمية، ودون إدراك لحجم الضرر الذي يمكن أن يلحقه خطاب التحريض بالعلاقات بين الشعبين.
إن المسؤولية الوطنية والأخلاقية والإعلامية تقتضي تحري الدقة والموضوعية، والابتعاد عن التعميم والإساءة والتخوين، وعدم السماح للحسابات الوهمية أو الجهات ذات الأجندات المشبوهة بأن تحدد طبيعة العلاقة بين بلدين وشعبين شقيقين.
فالأردن وسوريا أكبر من حملات التحريض، وأعمق من خلاف عابر، وأقوى من محاولات بث الفرقة والشك بينهما. وما يجمع الشعبين من تاريخ وروابط ومصالح ومشاعر أخوية يجب أن يكون أقوى من كل محاولات التفريق.
إن تصريح معالي وزير الخارجية السوري: «لا مناوشات بين سوريا والأردن بل تكامل» ينبغي أن يكون عنواناً للمرحلة المقبلة، ورسالة سياسية واضحة بأن العلاقة بين البلدين يجب أن تتجه نحو المزيد من التعاون والتنسيق والتفاهم، وأن الخلافات، إن وجدت، تعالج بالحوار والقنوات الرسمية، لا عبر المنابر الإعلامية أو منصات التواصل الاجتماعي.
فلنترك للجان التحقيق أن تكشف الحقائق، وللدبلوماسية أن تعالج ما قد ينشأ من تباينات، وللحوار أن يعزز الثقة، وللمنطق أن ينتصر على الانفعال، وللمصالح المشتركة أن تقود مسيرة العلاقات بين البلدين.
فسوريا ليست غريبة عن الأردن، والأردن ليس غريباً عن سوريا؛ إنهما شقيقان في التاريخ والجغرافيا والمصير، وأمنهما واستقرارهما وتقدمهما مسؤولية ومصلحة مشتركة.
حفظ الله الأردن وسوريا، وأدام عليهما نعمة الأمن والأمان والاستقرار، لما فيه خير الشعبين الشقيقين، ودحر كيد العابثين والمتربصين، وأفشل كل محاولات الفتنة والوقيعة بينهما.
عاشت الأخوة الأردنية السورية، وعاش التكامل والتعاون بين البلدين الشقيقين.
المدير العام لـِ مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً
muwaffaq@ajlouni.me