حين يُصبح الاختلاف تهمة: من أين يبدأ التعصّب؟
د. دينا الحياري
26-10-2026 11:16 AM
لا يولد الإنسان متعصّبًا، ولا يأتي إلى الحياة محمّلًا بالكراهية؛ بل يتعلّم كيف ينظر إلى الآخر من بيئته الأولى، ومن الكلمات التي يسمعها، والأحكام التي يتشرّبها، والمواقف التي يشهدها في بيته ومدرسته. فالتعصّب ليس مجرّد خللٍ في التفكير، بل خللٌ في التربية حين تُغرس في النفس فكرة أنّ الاختلاف مبرّر للانتقاص، وأنّ الانتماء يمنح الإنسان قيمةً أعلى من قيمة سواه.
فالطفل الذي يتعلّم في بيته احتقار المختلف، لن تُصلح وعيه عشرات الدروس عن التسامح، ما دام يرى في سلوك الكبار نقيض ما يسمعه في كلماتهم.
من هنا تبدأ المسؤولية؛ من بيتٍ يُعلّم أبناءه أنّ كرامة الإنسان ليست موضع تفاوض، ومن مدرسةٍ لا تكتفي بتلقين المعرفة، بل تُهذّب الوعي، وتواجه التنمّر والتمييز، وتُنشئ أجيالًا تعرف كيف تختلف دون أن تُهين، وكيف تتمسّك بقناعاتها دون أن تنتقص من الآخرين.
إنّ أخطر ما يمكن أن نورّثه لأبنائنا ليس نقص المعرفة، بل فساد المعيار الذي يحكمون به على البشر؛ حين نعلّمهم أن يقيسوا الإنسان بدينه أو أصله أو لونه، بدلًا من أخلاقه وأفعاله، فنحن لا نربّيهم على الاعتزاز بالهوية، بل على الاستعلاء باسمها.
فالاعتزاز بالذات لا يحتاج إلى احتقار الآخر، والإيمان لا يستوجب إقصاء المختلف، والانتماء الحقيقي لا يُقاس بقدرتنا على رفض من لا يشبهنا. إنّ رقيّ الإنسان لا يظهر في تعامله مع من يشبهه، بل في عدله مع من يختلف عنه.
ولا تُواجه الكراهية بإدانة نتائجها وحدها، بل باقتلاع جذورها من اللغة التي نستخدمها، والأحكام التي نمرّرها، والمواقف التي نتسامح معها. فالكلمة التي نستهين بها اليوم قد تصبح قناعةً راسخة غدًا، والتمييز الذي نبرّره في الطفولة قد يتحوّل إلى سلوكٍ يصعب اقتلاعه في الكبر.
إنّ مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع ليست أن تصنع جيلًا متشابهًا، بل جيلًا يمتلك من الوعي ما يحميه من التعصّب، ومن الأخلاق ما يمنعه من تحويل الاختلاف إلى عداوة، ومن الإنسانية ما يجعله يدرك أنّ حقوق الآخرين لا تنتقص من حقوقه، وأنّ كرامتهم لا تتعارض مع هويته.
فلنربِّ أبناءنا على أنّ الاختلاف ليس عيبًا، وأنّ الكرامة ليست امتيازًا، وأنّ الإنسان لا يصبح أقلّ قيمةً لأنّه لا يشبهنا.
فالأوطان لا يحميها تشابه أبنائها، بل يحميها وعيهم بأنّهم، على اختلاف معتقداتهم وأصولهم، متساوون في الكرامة والحقوق. والحضارة لا تُقاس بما نُلقّنه لأطفالنا من معارف، بل بما نغرسه في ضمائرهم من عدلٍ ورحمةٍ واحترام.