facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحضور الملكي في لحظة الصدمة الوطنية وأثره في طمأنينة الأردنيين


د. نرمين نضال الشريفين
26-10-2026 11:25 AM

حين يقع حدث عنيف، لا يبقى الألم محصورًا في موقعه ولا في أسر الضحايا إنما ينتقل أثره إلى المجتمع عبر الشاشات والأحاديث والمخاوف الصامتة. الخسارة الأولى هي الأرواح والإصابات، والثانية أقل ظهورًا وليست أقل أهمية: اهتزاز الثقة بأن الحياة اليومية آمنة، وأن المكان المألوف لا يخبئ تهديدًا وهذا الاهتزاز هو ما يجعل الصدمة جماعية، لأنها تصيب الناس في تصورهم عن العالم لا في أجسادهم وحدها.

وتبين أدبيات الصدمة أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون شاهدًا على الحدث ليتأثر به. فالتعرض المتكرر للصور والأخبار يكفي ليبقى الجهاز العصبي في حالة تأهب، فيظهر ذلك في اضطراب النوم، والخوف على الأبناء، وملاحقة كل خبر جديد، والتوجس من الأماكن العامة. ويشتد الأثر حين يطال الاعتداء دار عبادة، لأنه لا يستهدف أفرادًا بأعيانهم، بل يستهدف فكرة الأمان المشترك والانتماء الذي يجمع الناس.

في هذا السياق اكتسبت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني للمصابين في مستشفيات الكرك، بعد الاعتداء على الكنيسة في قرية حمود دلالتها. فالزيارة تقول للمصاب إن معاناته معروفة ومعترف بها، وهذا جزء من التعافي. يحتاج الجريح إلى الدواء، ويحتاج كذلك إلى من يشهد على ألمه، فالصدمة تعزل صاحبها لأنه يظن أن ما مر به لا يرى ولا يفهم، وكسر هذه العزلة خطوة أولى نحو الشفاء.

وللمجتمع حاجة موازية فالجماعات التي تصاب بحدث مفاجئ تبحث عن قاعدة آمنة تعود إليها، أي جهة تثبت أن النظام قائم وأن هناك من يتحمل المسؤولية. وحضور رأس الدولة في المستشفى، في ساعات الحزن الأولى، يخفف الشعور بالفراغ الذي ترافق الأحداث الكبرى، ويُظهر أن الدولة في الميدان إلى جانب الناس لا في موقع المتابع من بعيد.

وجاء مع الزيارة تأكيد جلالته أن الأردن سيواجه العمل الإرهابي بأشد العقوبات، وأن محاولات شق الصف لن تنجح أمام وحدة الأردنيين وهذا الخطاب يؤدي وظيفتين: يعيد إلى الناس الإحساس بالسيطرة بعدما سلبهم الحدث إياه، ويصون النسيج الاجتماعي، لأن استهداف كنيسة غايته زرع الشك بين أبناء الوطن الواحد، والرد عليه يكون بتجديد المعنى المشترك الذي يجمعهم.

أما أبلغ ما قيل في المستشفى فكان عبارة (رح نورجيهم) التي خاطب بها جلالته المصابين، وأثرها النفسي يستحق التوقف عنده لأسباب عدة. أولها اللغة نفسها فاللهجة المحكية تسقط المسافة بين القائد والمصاب، وتجعل الطمأنة حديثًا مباشرًا بين إنسانين لا بيانًا يتلى، والمصاب في لحظة ضعفه يصدق الصوت القريب أكثر من العبارة المصقولة.

وثانيها صيغة الجمع في (نورجيهم) فهي تضع القائل في صف المتألمين، وتنقل الألم من تجربة فردية معزولة إلى قضية يتحمل الجميع تبعاتها، وهذا ما يخفف الوحدة التي تلازم الصدمة. وثالثها أن العبارة وعد بالفعل لا مواساة بالكلام وحده فالمصاب الذي سلبه الحدث إحساسه بالتحكم يعاني عجزًا هو من أقسى مكونات الصدمة، وحين يسمع أن هناك ردًّا قادمًا يستعيد قدرًا من الشعور بأن الأمر ليس مفتوحًا على الفوضى، وأن للعنف جوابًا.

ورابعها أنها تعيد توزيع الخوف فالمهدد يطمئن حين يعلم أن الخطر ليس هو وحده من يواجه، وأن الطرف الآخر هو من سيلاحَق ويحاسب، فينتقل مركز الثقل النفسي من الضحية إلى الدولة وخامسها أن العبارة تمنح الغضب مخرجًا مشروعًا فالحزن حين يترك بلا وجهة قد يتحول إلى مرارة أو إلى رغبة في الانتقام الفردي، أما حين يجد وعدًا بالعدالة الرسمية فإنه يهدأ ويستقر وتبقى لهذه العبارة قوتها بقدر ما يتبعها فعل يصدقها، لأن الوعد الذي يتأخر تنفيذه يتحول من طمأنينة إلى خيبة.

ومن هنا يجب التمييز بين الطمأنينة والإنكار فالطمأنينة الحقيقية لا تعني دفع الناس إلى تجاوز ما حدث بسرعة ولا التقليل من ألم الضحايا وذويهم، بل الاعتراف بالمأساة، وتقدير الحزن والخوف، وإتاحة ما يعين على استعادة التوازن تدريجيًا والتعافي النفسي لا يتحقق بزيارة أو بعبارة واحدة مهما بلغت رمزيتها، وإنما يقوم على أربعة أركان: رعاية صحية ونفسية مستمرة للمصابين وأسرهم، ومعلومات واضحة وشفافة تسدّ الفراغ الذي تملؤه الشائعات، وعدالة ظاهرة تقنع الضحايا بأن ما جرى لن يطوى، وحضور مؤسسي لا ينتهي بانتهاء العناوين.

ويضاف إلى ذلك دور الخطاب العام فتكرار نشر المشاهد القاسية يعيد إنتاج الصدمة عند من لم يتعرض لها مباشرة، وتداول الأخبار غير المؤكدة يغذي القلق، والتعميم على فئة بسبب فعل مجرم يفتح بابًا ثانيًا للأذى فالمطلوب إعلام يقدم الموثوق على السبق، ويحفظ كرامة الضحايا، ويترك مساحة للتعبير الهادئ عن المشاعر، وحماية للأطفال من التعرض المتكرر للصور وإتاحة مكان آمن لأسئلتهم.

وفي المحصلة يمتد مفهوم الأمن من حماية الأرواح والمنشآت إلى حماية الشعور بالأمان والثقة المتبادلة بين الناس والمجتمع المتماسك لا يخلو من الخوف، لكنه لا يسمح له بأن يقطع صلاته أو يبدل قيمه، ويظهر تماسكه في الأفعال: مواساة المصابين، والتكافل مع أسر الضحايا، ورفض الكراهية، والتمسك بأن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، شركاء في الوطن والمصير.

لقد قدم الحضور الملكي في الكرك إشارة إنسانية ومعنوية في لحظة الحاجة، وقدمت عبارة (رح نورجيهم) وعدًا يلامس أعمق ما يحتاجه المصاب والمجتمع بعد الصدمة وقيمتهما الأبعد أن تترجما إلى رعاية مستمرة وعدالة مرئية وثقة متجددة، فتتحول الطمأنينة من شعور مؤقت إلى واقع معيش ومهما اشتدت الأحداث، تبقى قدرة الأردنيين على التكاتف والتعافي أساسًا لاستقرار وطنهم وصون نسيجه.

وفي الختام يبقى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سندًا لأبناء شعبه في أيام الشدة قبل أيام الرخاء وقريبًا منهم في الحزن قرب الأب من أبنائه نسأل الله أن يحفظه ويسدد خطاه ويمده بالصحة والتوفيق وأن يديم على الأردن أمنه واستقراره.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :