facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فلسطين .. حين يصبح تأجيل العدالة مشروعًا لتغيير الأرض


كابتن أسامة شقمان
03-11-2026 09:11 AM

في الطيران، لا تكفي سلامة البوصلة إذا كانت المسافة المتبقية تُحسب على خرائط فقدت صلتها بالأرض. وفي فلسطين، تبدو المعضلة أشد قسوة، إذ يواصل العالم إعلان وجهته نحو الدولة، بينما تعمل إسرائيل على تغيير المكان الذي يفترض أن تقوم عليه. تتكرر لغة التسوية وتتراجع شروطها المادية ومن هنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على المجاملات الدبلوماسية، هل تتحرك السياسة الدولية لإنهاء الاحتلال، أم تكتفي بإدارة نتائجه حتى يصبح ما صنعه بالقوة أساسًا لأي تفاوض مقبل؟

تكشف التطورات الميدانية مقدار الفجوة بين الاتفاق والحماية. فالضربات الإسرائيلية على غزة مستمرة وسقوط المدنيين لم يتوقف، فيما تتعثر المفاوضات المتعلقة بالانسحاب والترتيبات التالية لوقف إطلاق النار. وفي الضفة، عاد سكان إلى منازل متضررة في الخليل عقب عملية عسكرية تسببت وفق الأمم المتحدة، في تهجير آلاف الأشخاص. تضع هذه الوقائع الفلسطيني أمام تجربة تتجاوز الخوف من الموت إلى انعدام الثقة باستمرار الحياة نفسها. فالبيت قد يبقى قائمًا، لكن صاحبه لا يعرف إن كان يستطيع المبيت فيه غدًا.

جيوسياسيًا، لا تُقرأ هذه المشاهد باعتبارها أحداثًا منفصلة عن طبيعة السيطرة على الأرض. فقوة الاحتلال تتحكم في مساحة واسعة من الشروط التي يحتاج إليها المجتمع الفلسطيني كي يعمل، من الحركة والتجارة إلى الوصول إلى الموارد وعندما تصبح هذه الشروط قابلة للتعطيل، تتحول الحياة اليومية إلى مجال للضغط السياسي. العامل الذي يتعذر وصوله إلى عمله والمزارع الذي ينقطع عن أرضه والمؤسسة التي تعجز عن الوفاء بالتزاماتها، جميعهم يدفعون ثمن علاقة قوة تجعل ممارسة الحق مرهونة بإذن من يقيّده.

والاستيطان، ضمن هذه العلاقة، يعيد تشكيل ميدان التفاوض قبل انعقاده. فكل توسع يغيّر توزيع السكان والطرق والموارد، ويزيد صعوبة الاتصال بين التجمعات الفلسطينية وتؤكد التحذيرات الأممية أن التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين والتهجير وقيود الحركة تقوض إمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ولهذا فإن الاكتفاء بوصف الاستيطان عقبة أمام السلام يقلل من دلالته العملية. إنه ينتج جغرافيا جديدة، ثم يدفع الفلسطينيين إلى التفاوض داخل حدودها، فيصبح انتزاع الأرض سابقًا على النقاش حول مصيرها.

هنا تكمن قسوة التأجيل. فالزمن لا يمر بين طرفين يملكان القدرة نفسها على الانتظار. تستطيع إسرائيل أن تستثمره في ترسيخ سيطرتها، بينما ينفق الفلسطيني عمره في مقاومة خسائر متراكمة وما يُسمى جمودًا سياسيًا قد يكون حركة متواصلة على الأرض. تتوقف المفاوضات، لكن بناء المستوطنات لا يتوقف بالضرورة وتتعطل المبادرات، بينما تستمر القيود في إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع. لذلك يصبح السؤال عن موعد التسوية ناقصًا ما لم يصاحبه سؤال عما سيبقى قابلًا للتسوية حين يحين ذلك الموعد.

ومن منظور فلسفي، يمس الاحتلال قدرة الإنسان على أن يكون صاحب مستقبل. فالحرية تتجسد في إمكان التخطيط، وفي الاطمئنان إلى أن الجهد المبذول اليوم يمكن أن ينتج حياة أفضل غدًا وحين يتعرض البيت والأرض والعمل لاحتمال الفقد المستمر، تنكسر الصلة بين الجهد ونتيجته. يُدفع الإنسان إلى تخصيص طاقته للنجاة بدل البناء، ثم يُحاسب مجتمعه على ضعف التنمية وهذا أحد أعمق أشكال الظلم، أن تُقيَّد قدرة الناس على الفعل، ثم تُستخدم آثار القيد لتفسير تعثرهم.

أما غزة، فإن مستقبلها يتوقف على تجاوز المعالجة التي تحصر أهلها في احتياجات الإغاثة. الغذاء والمأوى والعلاج حقوق عاجلة، لكن اختزال القضية فيها يحول شعبًا صاحب حق سياسي إلى جماعة تنتظر المساعدات. ويؤكد التقرير الأممي ترابط التعافي والإعمار مع المسار السياسي ووحدة غزة والضفة والمؤسسات الفلسطينية ومن ثم فإن أي تصور للإعمار يحتاج إلى إجابة واضحة عن السلطة التي تحمي ما يُبنى، والحقوق التي تضمن بقاء السكان والقدرة التي تتيح للاقتصاد أن يعمل.

وتبرز هنا خطورة الفصل بين غزة والضفة. فقد ينتج عن التعامل مع كل منهما بوصفها ملفًا مستقلًا ترتيب إداري يخفف ضغطًا آنيًا، لكنه يضعف وحدة القضية. فالدولة تحتاج إلى مجال سياسي واقتصادي مشترك وإلى مؤسسات تمثل شعبًا واحدًا وكلما طال الانفصال، ازدادت احتمالات نشوء مصالح وآليات حكم تجعل تجاوزه أصعب. لذلك ينبغي تقييم أي ترتيبات انتقالية بقدرتها على تقريب الوحدة الفلسطينية وبالضمانات التي تمنع تحول المؤقت إلى بنية دائمة تستوعب الانقسام وتؤجل إنهاء الاحتلال.

وفي هذا السياق، تتحمل القوى الدولية مسؤولية تتجاوز إصدار المواقف. فالاعتراف بالدولة الفلسطينية يكتسب أثره حين يرتبط بحماية مقوماتها ومواجهة الإجراءات التي تهدمها. أما استمرار العلاقات والمصالح دون مراجعة جدية فيترك لإسرائيل مجالًا للمضي في سياساتها مع تحمل كلفة دبلوماسية محدودة ومن زاوية حسابات القوة، لا يكفي أن تسمع الحكومة الإسرائيلية اعتراضًا متكررًا، بل ينبغي أن تواجه نتائج ملموسة لقراراتها وإلا غدا القانون الدولي لغة يستشهد بها الضعيف، بينما يحدد الأقوى حدود تطبيقها.

وتحتاج السياسة العربية، بدورها، إلى تحويل دعم فلسطين إلى قدرة مستمرة على التأثير. فالوزن الدبلوماسي والعلاقات الاقتصادية وأدوات التعاون الإقليمي يمكن أن تسند مطالب محددة تتعلق بحماية السكان ووقف الاستيطان ومنع التهجير وصون المؤسسات الفلسطينية وبالنسبة إلى الأردن، يتصل ذلك بأمنه ومستقبله بقدر اتصاله بالحق الفلسطيني. فإضعاف الوجود الفلسطيني على أرضه يفتح أبوابًا لضغوط تتجاوز الحدود ومن هنا تبرز ضرورة التمسك بالدولة الفلسطينية باعتبارها حقًا لشعبها وركيزة لاستقرار إقليمي يستند إلى أوطان واضحة ومسؤوليات متبادلة.

ولا تعفي هذه القراءة القيادة الفلسطينية من واجب تجديد شرعيتها. فمواجهة مشروع يفتت الأرض تتطلب تمثيلًا يجمع المجتمع ومؤسسات تخضع للمساءلة، وإدارة تصون الموارد والثقة العامة ويمنح الانقسام قوة الاحتلال فرصًا إضافية لفرض الوقائع والتعامل مع الفلسطينيين عبر قنوات متنافسة. لذلك تصبح الوحدة عملًا سياسيًا له شروط عملية، تشمل المشاركة والمحاسبة والاتفاق على أهداف قابلة للمتابعة ويجب أن يعزز الإصلاح قدرة الفلسطينيين على انتزاع حقوقهم، وأن يبقى بعيدًا عن التحول إلى امتحان مفتوح يُعلَّق الاستقلال على اجتيازه.

يقف مستقبل القضية، في ضوء ذلك، أمام صراع على شكل الحياة الممكنة. فإما مسار يحمي الأرض ويعيد توحيد القرار ويمنح الحرية ضمانات قابلة للتنفيذ، وإما استمرار واقع تتسع فيه السيطرة وتضيق فيه قدرة الفلسطيني على تقرير مصيره والخطر أن يعتاد العالم هذا الواقع حتى تصبح إدارته بديلًا عن تغييره. عندها تكتسب مقاومة الاعتياد أهميتها، بإعادة السؤال إلى أصله، من يملك الأرض ومن يقرر مستقبل أهلها؟ فالعدالة تبدأ حين يتوقف التعامل مع حرية الفلسطيني بوصفها احتمالًا تفاوضيًا وتصبح حقًا يفرض على السياسة واجب تحقيقه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :