خطاب العرش 2026 .. من تثبيت الدولة إلى استحقاق الإنجاز
الدكتورة ميس حياصات
03-11-2026 10:19 AM
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين مجرد مناسبة دستورية لافتتاح دورة برلمانية جديدة، بل جاء في لحظة تتقاطع فيها التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ليؤكد أن حماية الدولة وصون تماسكها الداخلي لا ينفصلان عن تعزيز فاعلية مؤسساتها وقدرتها على تحقيق إنجازات يلمس المواطن أثرها في حياته. فالخطاب، في مضامينه ورسائله، لم يكتفِ بتحديد الأولويات، بل وضع أمام مؤسسات الدولة مسؤولية الانتقال من مستوى التوجيه إلى التنفيذ، ومن وضوح الأهداف إلى تحقيق النتائج. وهنا تكمن دلالة المرحلة: كيف تتحول منعة الدولة إلى أداء مؤسسي فاعل، وإنجاز يعزز ثقة المواطن بمؤسساته؟
استهل جلالة الملك خطابه بالإشارة إلى الاعتداء الإرهابي الذي استهدف الأردن، مستحضراً شهداء الكرك، ومؤكداً أن أمن الوطن ووحدته خط أحمر. وهذه البداية تضع الأمن الوطني في مقدمة الأولويات، وتعيد التذكير بالدور المحوري للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، في حماية البلاد وصون استقرارها. لكنها تحمل أيضاً رسالة أوسع؛ فمواجهة الإرهاب لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تتطلب مجتمعاً متماسكاً يرفض التطرف ويحمي هويته الوطنية، ويحول دون استغلال الخلافات لضرب الجبهة الداخلية. فالقوة الأمنية، على أهميتها، تكتمل بوعي المجتمع وتماسكه، وبقدرته على حماية وحدته في مواجهة كل ما يستهدف أمنه واستقراره.
وفي هذا السياق، منح الخطاب ثقة الأردنيين ووعيهم وحكمتهم موقعاً مركزياً، باعتبارهم مصدر قوة الدولة في أوقات المحن. فالتماسك الوطني ليس شعاراً، بل أحد مقومات الأمن والاستقرار، ويتعزز حين يشعر المواطنون بأنهم شركاء في حماية وطنهم، وأن اختلافهم في الرأي لا ينتقص من انتمائهم المشترك. كما أن تأكيد جلالة الملك على عروبة الأردن والدفاع عن قضايا الأمة، وأهمية الكلمة العربية الموحدة، يربط الدور الوطني الأردني بمحيطه العربي، ويؤكد أن قوة الموقف الأردني تنطلق من استقراره الداخلي، دون أن تعني الانكفاء عن قضايا أمته أو التخلي عن مسؤولياته تجاهها.
واحتلت القضية الفلسطينية مساحة واضحة في الخطاب، من خلال التأكيد أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يتحققان من دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، والإشارة إلى استمرار الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات المتوالية في الضفة الغربية والقدس، وما تشكله الأطماع التوسعية الإسرائيلية من تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها. وتحمل هذه الرسالة دلالة سياسية تتجاوز التضامن اللفظي؛ فهي تؤكد أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً منفصلاً عن أمن المنطقة واستقرارها، بل تقع في صلب معادلتها السياسية والأمنية. كما تعكس ثبات الموقف الأردني في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، بالتوازي مع حماية مصالح الأردن الوطنية وصون أمنه واستقراره.
وعلى المستوى الداخلي، أعاد الخطاب التأكيد على مكانة مجلس الأمة بوصفه ركناً أساسياً ومتقدماً في الحياة السياسية، انطلاقاً من مبدأ أن الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها. لكن الرسالة لم تتوقف عند الدور التشريعي والرقابي للمجلس، بل امتدت إلى طبيعة أدائه وسلوكه وخطابه؛ فالمواطنون لا ينظرون إلى القوانين التي تصدر عن القبة فحسب، بل إلى مستوى النقاشات والممارسات التي ترافقها، وإلى مدى تعبير المجلس عن تطلعاتهم ومصالحهم. وهذا يضع أعضاء مجلس الأمة أمام مسؤولية تتجاوز ممارسة الصلاحيات الدستورية إلى الارتقاء بأداء المؤسسة ومصداقيتها، لتكون صوتاً للوطن، وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً فاعلاً على الأداء الحكومي. فمكانة المؤسسة التشريعية لا تُقاس بصلاحياتها وحدها، بل بقدرتها على ممارسة دورها بمسؤولية، وبما تعززه من ثقة المواطنين بها، وبأن يكون الاختلاف في الرأي مصدر قوة للحياة السياسية ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية.
أما في الجانب الاقتصادي، فقد دعا جلالة الملك الحكومة إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى التي بدأ العمل عليها في إطار مسار التحديث الاقتصادي، بما يعزز الاقتصاد الوطني ويدعم دور الأردن المحوري في الإقليم. وتكمن أهمية هذه الدعوة في أنها تنقل التركيز من إعلان الخطط إلى سرعة الإنجاز وجودة التنفيذ. لكن اللافت أن الخطاب لم يتناول المشاريع الكبرى بمعزل عن أثر التنمية في حياة المواطنين؛ فقد وضع جلالة الملك معياراً واضحاً للتنمية الحقيقية، يتمثل في أن يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه. ومن هنا، فقيمة المشاريع الكبرى لا تُقاس بحجمها أو بحضورها في الخطط والبرامج، بل بقدرتها على تحريك الاقتصاد، وتوسيع الفرص، وتحسين مستوى المعيشة، وخلق أثر تنموي يصل إلى المواطنين. فالتنمية لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد تنفيذ المشاريع أو الإعلان عن نتائجها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة الناس، وما تفتحه أمامهم من آفاق وفرص حقيقية. ومن هنا، فإن المعيار الأهم ليس ما يُعلن عن إنجازه، بل ما يتغير فعلياً في واقع المواطن، وما يلمسه من أثر في معيشته ومستقبله.
ولعل التشديد اللافت على المياه، بوصفها أولوية وطنية، يعكس إدراكاً لطبيعة التحدي الذي يمثله الأمن المائي للأردن. فالخطاب أكد أن الأمن المائي أولوية وطنية لا مجال للمساومة أو المهادنة فيها، ووجّه الحكومة إلى الاستمرار في مشاريع الأمن المائي، والعمل على وضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن بما يضمن استدامتها وحقوق الأجيال القادمة. وهذا يعني أن المياه يجب أن تُدار باعتبارها قضية أمن وطني واستدامة مستقبلية، لا مجرد ملف خدمي؛ فهي ترتبط بقدرة الدولة على التخطيط لمستقبلها، وحماية مواردها، وضمان احتياجات مواطنيها. ومن هنا، تبرز أهمية تكامل السياسات الحكومية، والتخطيط طويل الأمد، وكفاءة إدارة الموارد، باعتبارها مسؤوليات لا تحتمل التأجيل أو المعالجة الآنية.
وفي جانب الإدارة العامة، جاءت الرسالة حاسمة بشأن طبيعة الوظيفة العامة، باعتبارها خدمة للناس وليست امتيازاً يرفع صاحبها عن العمل أو عن خدمة المواطنين. كما أكد الخطاب عدم وجود حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان، وأن هيبة الدولة وسيادة القانون تتقدمان على كل شيء، وأن القانون لا يعرف اسماً أو منصباً أو نفوذاً. وهذه من أكثر الرسائل اتصالاً بثقة المواطنين؛ إذ لا يمكن مطالبة الناس باحترام المؤسسات ما لم يروا أن القانون يُطبق بعدالة، وأن إساءة استخدام السلطة تخضع للمساءلة، وأن المسؤولية لا تعفي صاحبها من المحاسبة. فسيادة القانون لا تحمي حقوق المواطنين فحسب، بل تصون هيبة المؤسسات ومصداقيتها أيضاً، وتؤكد أن الموقع العام تكليف ومسؤولية، لا موقع للوجاهة أو النفوذ. ومن هنا، فإن إصلاح الإدارة العامة يبدأ بترسيخ ثقافة الخدمة والنزاهة والمساءلة، وربط المسؤولية بالأداء والنتائج.
وفي المقابل، أكد جلالة الملك أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور ويحميه، وأن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول، مشدداً على قيمة أدب الاختلاف. وهنا تتضح معادلة مهمة: الدولة الواثقة لا تخشى النقاش العام، ولا ترى في الرأي المختلف تهديداً بحد ذاته، لكنها تحتاج إلى حوار مسؤول يحفظ حق التعبير، ويميز بين الاختلاف الذي يثري الحياة العامة والإساءة التي تضعف الثقة وتغذي الاستقطاب. فالمشاركة في الشأن العام ليست نقيضاً للاستقرار، بل إحدى أدوات تعزيزه، حين تمارس في إطار القانون والاحترام المتبادل، وتكون المصلحة الوطنية هي المرجعية التي تضبط الحوار وتوجهه.
بهذا المعنى، يحدد خطاب العرش مسارات واضحة للمسؤولية والمساءلة؛ فالحكومة مطالبة بتسريع المشاريع وتحسين الإدارة وتحويل الخطط إلى نتائج، ومجلس الأمة مطالب بتفعيل دوره التشريعي والرقابي والارتقاء بأدائه وسلوكه البرلماني، والموظف العام مطالب بأن يجعل الخدمة والنزاهة أساس عمله، والمجتمع مطالب بصون تماسكه الوطني وممارسة حقه في النقاش والمشاركة بمسؤولية. وهذه ليست مسؤوليات منفصلة، بل حلقات متكاملة في منظومة واحدة، تتوقف فاعليتها على قدرة كل طرف على أداء دوره، وعلى وجود متابعة ومساءلة تقيس ما تحقق، وتكشف مواطن الخلل، وتضمن ألا تبقى التوجيهات في حدود الخطاب.
إن عنوان المرحلة، كما يمكن استخلاصه من مضامين الخطاب، هو الانتقال من تثبيت الدولة إلى استحقاق الإنجاز. فالأمن يحمي الدولة، والوحدة الوطنية تمنحها تماسكها، والثوابت العربية تحدد دورها الإقليمي، فيما تمنح سيادة القانون والإدارة النزيهة والمشاريع الاقتصادية والمائية مضموناً عملياً لعلاقتها بمواطنيها. إن قوة الدولة لا تكتمل بمجرد قدرتها على حماية أمنها ومواجهة التحديات، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المنعة إلى مؤسسات فاعلة، وعدالة يشعر بها المواطن، وتنمية تنعكس على حياته، وفرص حقيقية تعزز ثقته بمستقبله. ومن هنا، فإن المعيار في المرحلة المقبلة لن يكون وضوح التوجيهات وحده، بل قدرة المؤسسات على ترجمتها إلى واقع ملموس، ومدى ما تحققه من أثر في حياة الأردنيين. فبعد تثبيت منعة الدولة وصون استقرارها، يأتي استحقاق الإنجاز ليكون الاختبار الحقيقي لفاعلية مؤسساتها وقدرتها على الوفاء بمسؤولياتها. وهذا هو جوهر الانتقال من تثبيت الدولة إلى استحقاق الإنجاز: أن تتحول قوة الدولة إلى أداء، والتوجيه إلى عمل، والمسؤولية إلى نتائج، وأن يشعر المواطن بأن ما يُقال باسم الوطن ينعكس فعلاً في حياته وحقوقه ومستقبله.