الملك رسم الطريق .. الأردن لا ينتظر والمتقاعسون بلا أعذار
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
03-11-2026 10:43 AM
في اللحظات التي تتعاظم فيها التحديات وتتشابك فيها الأزمات، تحتاج الأوطان إلى رؤية واضحة تحدد الأولويات، وإرادة سياسية تحول التحديات إلى فرص، ومؤسسات قادرة على ترجمة التوجيهات إلى إنجازات. ومن هذا المنطلق، جاء خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، أمام مجلس الأمة، حاملاً رسائل وطنية وسياسية تتجاوز حدود المناسبة الدستورية، لتضع الدولة الأردنية بمختلف مؤسساتها أمام مسؤوليات عملية تستوجب التنفيذ والمتابعة والمساءلة.
لقد أكد الخطاب أن أمن الأردن واستقراره ووحدته الوطنية ثوابت لا تقبل المساومة، وهي رسالة تكتسب أهميتها في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وتحولات متسارعة. غير أن ترجمة هذه الرسالة لا تقتصر على تعزيز الجاهزية العسكرية والأمنية، بل تمتد إلى تحصين الجبهة الداخلية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ومواجهة التطرف والمخدرات والجريمة الإلكترونية، وترسيخ ثقافة المواطنة وسيادة القانون. فالأمن الوطني بمفهومه الشامل يبدأ من مجتمع متماسك، وشباب يمتلكون الوعي والفرص، ومؤسسات قادرة على الاستجابة لتحديات الحاضر والمستقبل.
وفي الشأن الإقليمي، أعاد الخطاب التأكيد على ثبات الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، ورفض فرض الوقائع بالقوة أو الانتقاص من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وهذا الثبات السياسي يستدعي مواصلة العمل الدبلوماسي الفاعل، وتعزيز التحالفات الدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية، وحماية المصالح الوطنية الأردنية في ظل المتغيرات الإقليمية، بما يضمن أن يبقى الأردن فاعلاً في صناعة المواقف، لا متلقياً لتداعيات الأزمات.
ولعل الرسالة الأكثر إلحاحاً على المستوى الداخلي تمثلت في التحذير الملكي المتعلق بالمياه، حين تكررت كلمة «المياه» ثلاث مرات، في دلالة على أن الأمن المائي أصبح أولوية استراتيجية لا تحتمل التأجيل. وهنا تبرز الحاجة إلى تسريع تنفيذ مشروع الناقل الوطني للمياه، وتطوير شبكات التوزيع والحد من الفاقد، والتوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة الموارد المائية. ولم يعد مقبولاً أن تبقى المشاريع الاستراتيجية رهينة الإجراءات البيروقراطية أو التأخير الإداري، فكل يوم تأخير يحمل كلفة اقتصادية واجتماعية تتحملها الأجيال القادمة.
أما في الجانب الاقتصادي، فإن الرسائل الملكية تضع الحكومة أمام ضرورة الانتقال من إدارة التحديات إلى صناعة النمو، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب. فالأولوية اليوم لتوفير فرص العمل، وتحفيز الاستثمار المنتج، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز تنافسية القطاعات الصناعية والتكنولوجية، وتبسيط الإجراءات التي تعيق المستثمرين. كما أن تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي ينبغي أن يرتبط بمؤشرات أداء معلنة، تقيس أثر السياسات في معدلات التشغيل والإنتاجية ومستوى معيشة المواطنين، لا بعدد المبادرات التي يتم الإعلان عنها.
وفي قطاع التعليم، تبرز مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن غيرها، تتمثل في إعادة مواءمة مخرجات التعليم مع التحولات المتسارعة في سوق العمل. فالأردن بحاجة إلى جامعات ومدارس تؤهل أجيالاً قادرة على المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الرقمية، والطاقة والمياه، والصناعات المستقبلية. وهذا يتطلب مراجعة البرامج الأكاديمية التقليدية، واستحداث تخصصات نوعية، وإعادة تأهيل الكوادر التعليمية، وتعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص، حتى يصبح التعليم محركاً للاقتصاد الوطني، لا مجرد مسار للحصول على الشهادات.
وفي موازاة ذلك، فإن تأكيد جلالة الملك على سيادة القانون والمساءلة يضع ملف الإصلاح الإداري في صدارة الأولويات. فالتحديث الإداري الحقيقي لا يتحقق بتغيير المسميات والهياكل التنظيمية وحدها، وإنما بإعادة بناء منظومة المسؤولية على أساس الكفاءة والجدارة والإنجاز، وتفعيل أدوات الرقابة، ومحاسبة المقصرين، وإنهاء ثقافة التهرب من المسؤولية. فالمواطن يريد إدارة عامة تحترم وقته، وتصون حقوقه، وتقدم خدماتها بكفاءة وعدالة وشفافية.
إن الحكومة ومجلس الأمة والجامعات والمؤسسات الوطنية جميعها معنية بتحويل هذه الرسائل إلى خطط تنفيذية محددة، تتضمن أولويات واضحة، وجداول زمنية ملزمة، ومؤشرات قابلة للقياس، ومراجعة دورية لما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر. فالمسؤولية الوطنية لا تكتمل بإعلان الالتزام بالتوجيهات الملكية، بل بإثبات هذا الالتزام من خلال نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لقد رسم خطاب العرش ملامح المرحلة المقبلة، وحدد بوضوح ما يجب أن يتقدم على غيره من الملفات: أمن وطني راسخ، وموقف سياسي ثابت، وأمن مائي مستدام، واقتصاد منتج، وتعليم مواكب للمستقبل، وإدارة عامة تخضع للمساءلة.
والرسالة الأعمق أن الأردن لا يعاني نقصاً في الرؤى والاستراتيجيات بقدر ما يحتاج إلى تسريع التنفيذ، وتكامل المؤسسات، وربط المسؤولية بالإنجاز. فالأوطان لا تتقدم بما تعلنه من طموحات فحسب، بل بما تحققه من نتائج، ولا تُبنى الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة بالوعود، وإنما بالعمل والعدالة والمحاسبة.
وهنا يكمن جوهر خطاب العرش: أن تتحول قوة الموقف الملكي إلى قوة في الأداء المؤسسي، وأن تصبح الأولويات الوطنية برامج عمل لا تقبل التأجيل، وأن يدرك كل مسؤول أن خدمة الأردن أمانة، وأن الإنجاز واجب، وأن الوطن أكبر من المناصب والأشخاص.