facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خطاب العرش .. رسائل إلى الداخل قبل الخارج


د. هيفاء ابوغزالة
03-11-2026 11:04 AM

في السياسة، ليست الكلمات وحدها ما يصنع دلالات الخطابات الكبرى، بل توقيتها، وترتيب رسائلها، والجهات التي تتوجه إليها، وما يُقال فيها بوضوح وما يُفهم من سياقها. ومن هذا المنظور، فإن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام مجلس الأمة لم يكن مجرد افتتاح لدورة برلمانية جديدة، بل حمل رسائل سياسية تستحق التوقف عندها، في مرحلة تتصاعد فيها التهديدات الإقليمية، وتتداخل فيها تحديات الداخل مع مخاطر الخارج.

وأعتقد أن أهم ما يميز الخطاب أن جلالة الملك وجّه رسائله إلى الداخل الأردني أولاً، قبل أن يتوجه بها إلى الخارج، في تأكيد على حقيقة استراتيجية مفادها أن قوة الدولة في مواجهة التحديات الخارجية تبدأ من مناعة جبهتها الداخلية، وصلابة مؤسساتها، وثقة المواطن بها.

ولعل عبارة جلالته «ولا يزال رهاني على الأردني» تختصر جانباً مهماً من فلسفة الخطاب. فالرهان على المواطن ليس مجرد تعبير عن الثقة بوعيه وانتمائه، بل يحمل في مضمونه مسؤولية سياسية مقابلة على مؤسسات الدولة. فالمواطن الذي يُطلب منه أن يكون سنداً لوطنه في مواجهة الأزمات، من حقه أن يجد دولة تستجيب لتطلعاته، وتحمي حقوقه، وتصون كرامته، وتوفر له أسباب الثقة بالمستقبل. فالوحدة الوطنية لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما بالعدالة والمشاركة والإنجاز.

وفي رسالته إلى مجلس الأمة، وضع جلالته المؤسسة التشريعية أمام اختبار يتجاوز عدد القوانين التي تُقرّها إلى طبيعة الدور السياسي الذي تمارسه. فعندما يؤكد أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن البرلمان من تشريعات فقط، بل إلى سلوك أعضائه وخطابهم، فإنه يثير قضية جوهرية تتعلق بمكانة البرلمان وثقة المواطنين به. فالبرلمان القوي ليس الذي يكثر من التشريع، بل الذي يمارس رقابته باستقلالية، ويحمي المصلحة العامة، ويجعل من الاختلاف السياسي قوة للدولة لا عبئاً عليها.

أما الرسالة إلى الحكومة، فقد حملت دعوة واضحة للانتقال من الوعود والخطط إلى النتائج. فالتشديد على تسريع المشروعات الاقتصادية وربط التنمية بحياة المواطن يعكس إدراكاً بأن التحديات المعيشية لم تعد مجرد ملفات خدمية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الاستقرار الوطني. وجاء التكرار الملكي اللافت «المياه، المياه، المياه!» ليضع الأمن المائي في موقعه الحقيقي بوصفه قضية سيادة وأمن وطني وحقوق أجيال، لا مجرد مشروع تنموي قابل للتأجيل.

ولم تكن عبارة «القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً» أقل دلالة من الرسائل الأخرى، فهي تضع منظومة الإدارة العامة أمام مسؤولية مباشرة، وتؤكد أن هيبة الدولة لا تُقاس بسلطة المسؤول، بل بخضوع الجميع للقانون، وأن الوظيفة العامة ليست امتيازاً يمنح صاحبه الحصانة، وإنما أمانة تستوجب المساءلة.

أما في رسائله إلى الخارج، فقد انتقل الخطاب من تأكيد الثوابت الأردنية إلى التحذير من المخاطر التي تهدد مستقبل المنطقة. فحين وصف جلالته الأطماع التوسعية الإسرائيلية بأنها أكبر تهديد للأمن والاستقرار الإقليمي، فإنه لم يحصر القضية الفلسطينية في إطارها الإنساني أو السياسي التقليدي، بل وضعها في قلب معادلة الأمن الاستراتيجي للمنطقة بأكملها.

وجاءت عباراته المتتابعة «من ظن أن الطغيان يمنح الشرعية… واهم، ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة… واهم، ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه… أيضاً واهم» لتؤكد أن الموقف الأردني ليس موقفاً ظرفياً تحكمه الضغوط أو موازين القوى المتغيرة، بل موقف يستند إلى ثوابت وطنية وتاريخية لا تقبل المساومة.

واللافت أن جلالته ربط هذا الثبات باستمرارية الموقف الأردني عبر الأجيال، حين قال «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي»، وهي إشارة تحمل دلالة سياسية تتجاوز اللحظة الراهنة، لتؤكد أن الدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها فلسطين، يمثل نهجاً راسخاً في السياسة الأردنية، لا يتبدل بتبدل الظروف أو الأشخاص.

لكن القراءة الأعمق للخطاب تكمن في العلاقة بين رسائله الداخلية والخارجية. فالأردن الذي يرفض التهديدات والضغوط الإقليمية يحتاج، في الوقت ذاته، إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات فاعلة، وبرلمان مستقل، وإدارة عادلة، ومواطن يثق بأن حقوقه ومصالحه ليست على هامش القرار السياسي.

ومن هنا، فإن التحديات الخارجية لا ينبغي أن تكون مبرراً لتأجيل الإصلاح الداخلي، بل حافزاً لتسريعه. فكل خطوة نحو تعزيز سيادة القانون، وتحقيق العدالة، وتحسين الأداء الاقتصادي والمؤسسي، هي في جوهرها خطوة لتعزيز الأمن الوطني واستقلال القرار السياسي.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحكومة ومجلس الأمة بعد هذا الخطاب: هل ستتحول الرسائل الملكية إلى مراجعة جادة للسياسات وأساليب العمل، أم سنكتفي، كما يحدث أحياناً، بالإشادة بمضامين الخطاب دون أن نرى انعكاساتها بالقدر المطلوب على حياة المواطنين؟

لقد تحدث الملك إلى الداخل أولاً، لأنه يدرك أن قوة الأردن في الخارج لا تنفصل عن قوته في الداخل، وأن صلابة الموقف السياسي لا تكتمل دون صلابة المؤسسات وثقة المواطنين بها.

فالرسالة الملكية لم تكن مجرد دعوة إلى الصمود، بل دعوة إلى بناء أسباب القوة. وبين دولة تجيد مواجهة الأزمات ودولة تمتلك القدرة على استباقها، تكمن مسؤولية المرحلة المقبلة. والأردن الذي أثبت مراراً قدرته على الصمود، يستحق أن ينتقل من إدارة التحديات إلى صناعة المستقبل .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :