حين تتحول مواجهة الإرهاب إلى استهداف للهوية
د. ميساء علي الشوملي
04-11-2026 08:53 AM
* قراءة في بيان: من أجل وطن تعددي
ما حدث في قرية حمود جريمة مدانة بكل المقاييس، واعتداء على الإنسان وحقه في الحياة والأمن والكرامة، أياً كان دينه أو انتماؤه. ولا خلاف على ضرورة ملاحقة مرتكبيها وإنزال العقوبة التي يستحقونها وفق القانون. لكن ما يستحق التوقف عنده، وبقدر كبير من المسؤولية الوطنية، هو ما تلا الحادثة، ولا سيما البيان الذي وقّعه عدد من المثقفين والأكاديميين والناشطين، والذي حاول تقديم قراءة للحادثة تتجاوز إدانة الجريمة إلى تحميل منظومة فكرية ودينية واسعة مسؤولية نشوء التطرف والإرهاب.
أولا: حمود كشفت وحدة الأردنيين ولم تكشف انقسامهم
لعل من المفارقات أن الحادثة التي أراد مرتكبوها إحداث فتنة طائفية من خلالها، أظهرت في المقابل صورة مشرقة من صور التلاحم الوطني الأردني. فقد رأينا مشهداً لافتاً من التضامن الشعبي، حيث شارك الأردنيون، مسلمون ومسيحيون، أهل الضحايا أحزانهم، وتوافدوا للتعبير عن تعاطفهم ورفضهم للجريمة.
لقد أثبت الأردنيون بمواقفهم التلقائية أن العلاقة بين مكونات المجتمع ليست علاقة طوائف متقابلة، بل علاقة مواطنة وتاريخ ومصير مشترك، وأن المسيحي الأردني ليس ضيفاً على وطنه، وأن المسلم الأردني لا يرى في أخيه المسيحي خصماً أو غريباً.
وهنا يبرز السؤال: لماذا يأتي بيان بهذا الحجم، وفي هذا التوقيت، ليعيد فتح ملفات الخلاف الفكري والديني، ويضع المجتمع أمام تصنيفات حادة بين ملتزم وغير ملتزم، وتنويري وظلامي، بدلاً من البناء على حالة التكاتف الوطني التي أعقبت الحادثة؟
إن وحدة الأردنيين لا تحتاج إلى بيانات تقسمهم إلى معسكرات فكرية، بل إلى خطاب يجمعهم حول المواطنة والعدل واحترام العقيدة والاختلاف.
ثانيا: لا يجوز تحميل الإسلام ومرجعياته مسؤولية جرائم داعش
من أخطر ما ورد في البيان وضع أسماء ومرجعيات إسلامية، مثل ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا وسيد قطب، ضمن سياق فكري يُحمّلها مسؤولية إنتاج التطرف والإرهاب.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين: دراسة الأفكار الدينية ونقدها، وهو حق مشروع في البحث العلمي، وبين تقديم أحكام عامة تجعل هذه المرجعيات سبباً مباشراً للإرهاب والتكفير.
إن ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أعلام الفكر الإسلامي لهم تراث واسع، ولا يجوز اختزال مؤلفاتهم ومواقفهم في تأويلات جماعات متطرفة أو في اقتباسات مجتزأة من سياقاتها التاريخية والفقهية. ومن حق الباحث أن يناقش أي رأي أو اجتهاد لهؤلاء العلماء، لكن ليس من الموضوعية أن تتحول المناقشة إلى إدانة شاملة لمرجعيات دينية شكّلت جزءاً أساسياً من التكوين العلمي والفقهي للمسلمين عبر قرون.
ونحن، بوصفنا مسلمين، لم نستمد إسلامنا من تنظيم داعش، ولم نتلقَّ عقيدتنا من جماعات التكفير، بل من القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الفقهي والعلمي الذي تناقلته مدارس إسلامية متعددة، ومن بينها اجتهادات هؤلاء العلماء.
والأهم أن الجماعات التكفيرية لا تمثل المسلمين ولا تختصر الإسلام، بل إن كثيراً من هذه الجماعات تتبنى أحكاماً تكفيرية بحق علماء ومؤسسات وشخصيات إسلامية، وتنازع المرجعيات الدينية المعترف بها شرعيتها.
فكيف يصح أن نحمّل مرجعيات إسلامية واسعة المسؤولية عن نشوء تنظيمات لا يجوز التعامل معها باعتبارها ممثلة للإسلام أو ناطقة باسمه؟
إن نقد الفكر المتطرف مطلوب، لكن نقده يجب أن يستند إلى تحليل علمي للنصوص والسياقات والتأويلات، لا إلى قوائم أسماء وأحكام مسبقة.
ثالثا: داعش تنظيم إرهابي لا يجوز اختزاله في الإسلام
إن تنظيم داعش لم يكن ممثلاً للإسلام، ولم يكن امتداداً طبيعياً للمجتمع الإسلامي أو للمسلمين الملتزمين بدينهم. لقد نشأ في سياق سياسي وعسكري بالغ التعقيد، ارتبط بالغزو الأمريكي للعراق، وتفكك مؤسسات الدولة، والصراعات الطائفية، وتطور تنظيم القاعدة في العراق، ثم تحولاته التنظيمية اللاحقة.
ولا يمكن تفسير نشأته بعامل ديني واحد، أو اختزال أسبابه في قراءة كتب عالم إسلامي بعينه.
كما أن الانتماء الشكلي إلى التدين، أو إطلاق اللحية، أو ارتداء مظهر معين، لا يجعل الإنسان ممثلاً للإسلام، مثلما لا يجعل ارتكاب الجريمة باسم الدين الجريمة جزءاً من الدين.
إن الإسلام لا يُقاس بأفعال من يرفعون شعاراته، بل بمبادئه ونصوصه ومقاصده، وبما تقرره أحكامه من حرمة الدماء والعدل وصيانة كرامة الإنسان.
رابعا: التعددية ليست احتكاراً جديداً للحقيقة
يرفع البيان شعار التعددية الفكرية، لكنه يتضمن في الوقت نفسه أحكاماً واسعة على مرجعيات دينية وفكرية، ويطالب بإعادة تشكيل المناهج والمؤسسات التعليمية والثقافية وفق تصور فكري محدد.
وهنا نطرح سؤالاً مشروعاً: هل التعددية تعني أن نقبل اختلاف الآخرين معنا، أم أن نطالب بإقصاء المرجعيات التي لا تتفق مع رؤيتنا؟
إن التنوير الحقيقي لا يعني استبدال وصاية فكرية بوصاية أخرى، ولا يعني أن يصبح الفكر الذي يصف نفسه بالتنويري صاحب الحق الحصري في تحديد ما يجوز تدريسه وما لا يجوز، ومن يستحق احترام المجتمع ومن يجب إبعاده عن مؤسساته.
فكما نرفض الفكر التكفيري الذي يصادر حق الآخرين في الاختلاف، نرفض أيضاً أي خطاب إقصائي يتعامل مع التدين والالتزام بالشريعة باعتبارهما مشكلة ينبغي التخلص منها.
ولا يجوز أن نخلط بين التدين المعتدل والتطرف، أو بين المطالبة بالالتزام الديني وبين فرض العنف على الآخرين. فهذه مفاهيم مختلفة، والخلط بينها يسيء إلى الدين والمجتمع معاً.
خامسا: الأردن له هوية دستورية لا يجوز تجاهلها
ينص الدستور الأردني في مادته الثانية صراحة على أن الإسلام دين الدولة، وهذا نص دستوري قائم وليس شعاراً سياسياً أو مطلباً لفئة من المجتمع.
لكن التأكيد على هذه الهوية لا يعني الانتقاص من حقوق المواطنين المسيحيين أو غيرهم، ولا يتعارض مع حماية شعائرهم وحقوقهم ومواطنتهم الكاملة... فالأردن وطن لجميع أبنائه، وتاريخه شاهد على أن المسلمين والمسيحيين شاركوا في بنائه والدفاع عنه وتطوير مؤسساته.
ومن هنا، فإن احترام هوية الدولة الإسلامية لا يتعارض مع التعددية، كما أن احترام التعددية لا يستوجب محو هذه الهوية أو التعامل معها باعتبارها عقبة أمام التطور.
إن المطلوب هو التوازن الدستوري والوطني، لا وضع هوية الدولة في مواجهة مواطنيها.
سادسا: التطرف لا لون فكري واحد له
إن مواجهة التطرف لا ينبغي أن تكون انتقائية، فالتطرف ليس حكراً على اتجاه ديني أو سياسي أو أيديولوجي بعينه. وكل فكر يلغي الآخر، ويصادر حقه في الاعتقاد والتعبير، ويقسم المجتمع إلى فئات تحتكر الحقيقة وأخرى لا تستحق الاعتراف، هو فكر إقصائي يستحق النقد والمواجهة.
ولا يصح أن ندين التكفير حين يصدر عن جماعة دينية، ثم نتسامح مع الإقصاء حين يصدر عن جماعة تتبنى خطاباً يسارياً أو علمانياً أو أي اتجاه فكري آخر، فكما أن هناك تطرف ودعشنة يمينية، فهناك تطرف ودعشنة يسارية تقابله تريد فرض رأيها باسم التعددية على كافة أطياف المجتمع.
فالمعيار واحد: احترام الإنسان، وحقه في الاعتقاد والاختلاف، ورفض التحريض والكراهية والعنف أيا كان.
ولا ينبغي أن تتحول مواجهة داعش إلى معركة ضد المتدينين، كما لا ينبغي أن تتحول حماية التدين إلى مبرر لإقصاء غير المتدينين.
سابعا: من حقنا أن نسأل عن مصادر الأحكام الواردة في البيان
تضمن البيان أحكاماً تاريخية وسياسية واسعة بشأن توظيف الدين منذ سبعينيات القرن الماضي، ودور الأموال النفطية، والتأثير في المناهج الأردنية، ووجود حواضن فكرية واجتماعية للتطرف داخل المؤسسات الوطنية.
هذه ادعاءات كبيرة، ولا يكفي طرحها بصيغة الحقائق المسلّم بها. بل تحتاج إلى وثائق ودراسات ومصادر تاريخية محددة، وإلى التمييز بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات السياسية.
ومن غير المنصف اختزال مؤسسات وطنية أو تيارات دينية واجتماعية بأكملها في صورة واحدة، أو تحميلها مسؤولية ظواهر معقدة دون أدلة محددة.
وإذا كنا نطالب بمواجهة الفكر المتطرف بالحجة والعلم، فعلينا أن نلتزم بالمعيار نفسه حين نتناول تاريخنا ومؤسساتنا ومناهجنا.
ثامنا: وحدة الصف الأردني مسؤولية الجميع
إنني أرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد جريمة حمود هو أن نسمح للمجرمين بتحقيق هدفهم في تمزيق النسيج الوطني، سواء من خلال الإرهاب المباشر أو من خلال خطاب فكري وسياسي يوسّع دائرة الاتهام والتخوين والاستقطاب. خاصة بعد التلاحم غير المسبوق الذي ساد المجتمع الاردني بكافة أطيافه، فأتى هذا البيان لا يخدم الا الاطماع الصهيونية بتفتيت وحدة المجتمع وتقسيمه، ولعل أبسط ما يواجه به هذا البيان بيان آخر مقابل وتجميع مليون شخص للتوقيع بدل المئات و تمزيق المجتمع وتصنيفه الى فئات وجماعات متناحرة..
ولذلك، فإن مسؤوليتنا جميعاً هي حماية وحدة المجتمع، والوقوف إلى جانب أسر الضحايا، ومحاسبة الجناة، ومواجهة الفكر الذي يبرر قتل الإنسان أو الاعتداء على كرامته بسبب دينه أو عقيدته أو رأيه.
وفي الوقت نفسه، لا بد من رفض تحميل المسلمين الملتزمين مسؤولية جرائم لم يرتكبوها، أو التشكيك في مرجعياتهم الدينية لمجرد أن جماعات متطرفة أساءت تأويل بعض النصوص أو استخدمتها لتبرير أفعالها.
كما أنني أدعو المحامين والحقوقيين إلى دراسة ما إذا كانت بعض مضامين البيان أو ما قد يرتبط بها من ممارسات تشكل مخالفة لأحكام القانون أو اعتداءً على حقوق المواطنين أو تحريضاً يعاقب عليه القانون. على أن يكون أي تحرك قضائي مستنداً إلى نص قانوني محدد وأدلة واضحة، لا إلى مجرد الاختلاف الفكري أو نقد المرجعيات الدينية.
وفي الختام،،،
إن الأردن أكبر من أن يُختزل في صراع بين متدينين و"تنويريين"، أو بين مسلمين ومسيحيين، أو بين تيارات فكرية متعارضة.
لقد أثبتت حادثة حمود أن الأردنيين قادرون على تجاوز الاختلافات حين يتعلق الأمر بالإنسان والوطن، فالاردن العظيم يجمعنا، وهذه هي الرسالة التي كان ينبغي أن نبني عليها، لا أن نفتح من خلالها أبواباً جديدة للاستقطاب.
نريد وطناً يحمي المسلم في تدينه، والمسيحي في عقيدته، والمواطن في حريته، والمثقف في رأيه، دون أن يسمح لأحد بأن يحتكر الوطنية أو يحتكر الحقيقة أو يصادر حق الآخرين في الاختلاف.
فالتطرف لا يُواجَه بإنتاج تطرف مضاد، والإقصاء لا يُواجَه بإقصاء آخر، ووحدة الأردن لا تُصان إلا باحترام هويته الدستورية، وتاريخه، وتنوع أبنائه، وحقوقهم المتساوية.
حمى الله الأردن، وحفظ وحدته وأمنه، وأدام المحبة بين أبنائه جميعاً.