د. عصام العوران يرثي شقيقه جمال: رحلت وتركت في القلب جرحاً لا يندمل
04-11-2026 09:20 AM
عمون - كتب الدكتور عصام سلامة حسين العوران في رثاء شقيقه جمال:
رحلت يا شقيقي، يا أبا طارق، ورحلت معك حكايات العمر، وذكريات الطفولة، وأيام جمعتنا تحت سقف واحد، قبل أن تفرّقنا الحياة، وتأخذنا الأيام إلى طرق لم نكن نتمنى أن نسلكها.
رحلت يا أخي، وتركت في القلب وجعاً لا تصفه الكلمات، وغصة لا تخففها الدموع، وجرحاً عميقاً سيبقى شاهداً على أن فقدان الأخ ليس كأي فقد، وأن رحيل من يحمل دمك واسم أبيك وذكريات بيتك لا يمكن أن يكون خبراً عابراً في حياة الإنسان.
نعم يا أخي… عمر الدم ما بصير ميّه، مهما طالت المسافات، ومهما قست الظروف، ومهما فرّقتنا الأيام.
كم هي قاسية هذه الحياة حين تجعل الإخوة غرباء وهم من دم واحد! وكم هي موجعة تلك السنوات التي تمرّ في صمت، وتسرق من أعمارنا أجمل ما فيها، ونحن نظن أن أمامنا متسعاً من الوقت لنلتقي، ونتحدث، ونتصافح، ونتسامح!
نختلف، ونبتعد، ونصمت، وربما نترك للكبرياء والعتب وسوء الفهم أن تبني بين القلوب جدراناً لا تستحق أن تُبنى أصلاً. ثم تأتي لحظة الحقيقة، حين ندرك أن العمر أقصر من الخصام، وأن الأخ أغلى من العتاب، وأن صلة الرحم ليست خياراً نؤجله متى شئنا.
ولكن الله سبحانه وتعالى، بحكمته ورحمته، أراد أن يجمع ما فرّقته الأيام، وأن يعيد للإخوة دفء التواصل، وأن يفتح أبواب الصفح والتسامح قبل أن يُغلق باب اللقاء في هذه الدنيا إلى الأبد.
نعم يا جمال، لقد شاءت إرادة الله أن تعود القلوب إلى بعضها، وأن يعود التواصل بعد طول انقطاع، وأن تنتصر الأخوّة على المسافات، وأن نستعيد شيئاً من دفء العلاقة التي كادت سنوات الغياب أن تطمس معالمها.
وما أعظمها من نعمة، وما أشدها من حسرة!
نعمة أن جمعنا الله قبل الرحيل، وحسرة أن الوقت الذي عاد فيه الوصل لم يكن طويلاً بما يكفي لنُعوّض ما فات.
يا ليتنا أدركنا أبكر أن الحياة لا تستحق كل هذا البعد، وأن الأخ لا يعوّضه أحد، وأن الموت حين يأتي لا يستأذن، ولا يمنحنا فرصة أخرى لنقول ما تأخرنا في قوله.
يا شقيقي الحبيب…
لم يكن رحيلك مجرد فقدان أخ، بل كان درساً قاسياً في معنى الحياة، وفي قيمة التسامح، وفي ضرورة أن يعود الضمير إلى يقظته قبل أن توقظه المصائب، وأن نُصلح علاقاتنا قبل أن نقف أمام القبور نطلب من الصمت أن يعيد إلينا من رحلوا.
إلى كل أخ خاصم أخاه، وإلى كل قريب قطع رحمه، وإلى كل من سمح للعتب والكبرياء أن يكونا أقوى من رابطة الدم: تصالحوا قبل أن تندموا، وتسامحوا قبل أن تفقدوا، وتواصلوا قبل أن يصبح اللقاء أمنية مستحيلة.
فوالله، لا المال يبقى، ولا المناصب تدوم، ولا الكبرياء ينفع حين نودّع من نحب إلى مثواه الأخير.
أخي جمال…
كنت أخاً، ومربياً، وأستاذاً، وصاحب مسيرة في التربية والتعليم، واليوم نودعك بقلوب مكسورة، وعيون دامعة، ونفوس لا تملك أمام قضاء الله إلا الصبر والرضا.
رحلت يا شقيقي، ولكن عزائي أن الله جمعنا قبل الفراق، وأن القلوب تصافت، وأن رابطة الدم استعادت مكانتها، وأننا لم نترك للموت أن يسبق المصالحة.
وإن كان الموت قد فرّق بين أجسادنا في هذه الدنيا، فإن رجاءنا بالله أن يجمعنا في دار رحمته، حيث لا خصام ولا غياب ولا فراق.
سامحنا يا أخي إن قصّرنا، وسامحنا على سنوات مضت كان يمكن أن تكون أجمل، وعلى كلمات تأخرت، ولقاءات غابت، وأيام لن تعود.
رحمك الله يا جمال، يا ابن أبي وأمي، يا شقيقي وقطعة من روحي.
ستبقى ذكراك حاضرة في القلب، وسيبقى رحيلك وجعاً لا يُنسى، وستبقى عودتنا إلى بعضنا قبل الفراق عزاءً يخفف شيئاً من مرارة الغياب.
اللهم اغفر لأخي جمال، وارحمه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجمعه بمن سبقه من أحبتنا في جنات النعيم.
وداعاً يا أبا طارق… وداعاً يا شقيقي.
فراقك موجع، وغيابك ثقيل، ولكن إرادة الله جمعت الإخوة قبل الرحيل، على أمل لقاءٍ في رحمة الله لا يكون بعده فراق.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
شقيقك الذي لن ينساك
الدكتور عصام سلامة حسين العوران
٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦