facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إسهامات العمل التطوعي في مواجهة الإرهاب والتطرف الفكري


أ. د. حسين الخزاعي
04-11-2026 09:32 AM

لا يختلف اثنان على أن مواجهة الإرهاب والتطرف الفكري لا تقتصر على المؤسسات الأمنية والدينية والتربوية والاجتماعية وحدها، بل تتطلب تضافر جهود جميع مكونات المجتمع، وفي مقدمتها الأسرة والتنشئة الأسرية السليمة وعلاقة الجيرة والقرابة وبيئة العمل، إلى جانب تعاون مؤسسات المجتمع المدني، والجمعيات والمراكز التطوعية، والمدارس والجامعات، وأماكن العبادة، ووسائل الإعلام، والشباب والمتطوعين.

فالتطرف لا ينشأ من فراغ، وإنما قد يجد بيئة حاضنة في ظل ضعف الوعي، وتراجع الانتماء المجتمعي، وانتشار الأفكار المنحرفة، وغياب الحوار، فضلًا عن الشعور بالتهميش والإقصاء. ومن هنا، تبرز أهمية العمل التطوعي بوصفه أحد المسارات الفاعلة في تعزيز المناعة الفكرية والاجتماعية، والوقاية من الانزلاق نحو تبنّي الفكر المتطرف وممارسة السلوك الإرهابي.

نتفق جميعًا على أن رسالة العمل التطوعي لا تقتصر على تقديم الخدمات أو بذل الجهود دون مقابل لخدمة الآخرين، وإنما تتمثل في ممارسة حضارية تعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه مجتمعه، وإيمانه بقيم التضامن والتكافل والتعاون. كما يُعد العمل التطوعي وسيلة تربوية تسهم في بناء الشخصية المتوازنة، وتنمية روح المبادرة، وتعزيز الشعور بالانتماء الوطني، وترسيخ احترام الآخر وتقبّل الاختلاف، في إطار الثوابت الدينية والوطنية والإنسانية.

وتكمن أهمية العمل التطوعي في مواجهة التطرف والتلوث الفكري في قدرته على تحويل الشباب من حالة التلقي السلبي إلى المشاركة الإيجابية، ومن الشعور بالعزلة إلى الاندماج في المجتمع، ومن الانشغال بالأفكار الهدامة إلى ممارسة أنشطة نافعة تعزز الثقة بالنفس، وتمنح الحياة معنى وغاية.

فالشاب الذي يجد في مجتمعه مساحة للمشاركة والعطاء، ويشعر بأن له دورًا حقيقيًا في بناء وطنه، يكون أكثر قدرة على مقاومة محاولات الاستقطاب الفكري والتجنيد في الجماعات المتطرفة.

كما يسهم العمل التطوعي في بناء جسور التواصل بين فئات المجتمع المختلفة، ويعزز ثقافة الحوار والتفاهم، ويحدّ من مظاهر التعصب والكراهية والانغلاق. فالمشاركة في المبادرات التطوعية التي تجمع الشباب من مختلف الخلفيات الاجتماعية والفكرية تتيح لهم فرص التعارف والتفاعل مع مجموعات من المتطوعين الذين يجمعهم حب العطاء والرغبة في خدمة المجتمع والتفاعل الإيجابي مع قضاياه.

كما تسهم هذه المبادرات في إبعاد الشباب عن رفاق السوء وأصحاب الأفكار الهدامة، وتعزيز ارتباطهم بالقيم الدينية والاجتماعية والوطنية، وترسيخ احترام العادات والتقاليد الإيجابية. فضلًا عن ذلك، تسهم هذه المبادرات في تفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة، وتؤسس لثقافة تقبّل الاختلاف والحوار المسؤول، بعيدًا عن الإقصاء والتكفير والتعصب.

وتؤدي المبادرات التطوعية كذلك دورًا مهمًا في تحصين الشباب من محاولات استغلال الدين وتوظيفه بصورة خاطئة لترويج الأفكار الهدامة والدعوة إلى تبنيها، وهي أفكار تتنافى مع القيم الدينية والإنسانية، وتلحق بالمجتمع الأذى والخراب والدمار، وتخلّف وراءها مشاعر الحزن والألم. فهذه الأفكار بعيدة كل البعد عن رسالة الديانات السماوية التي تدعو إلى المحبة والتسامح والتعاون والتكافل، وتسعى إلى تحقيق السعادة والخير للإنسان والمجتمع

لا يمكن إغفال الدور الذي يؤديه العمل التطوعي في نشر الوعي الديني والفكري السليم، من خلال المبادرات التي تستهدف توعية الشباب بمخاطر الغلو والتطرف، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز الفهم المعتدل للنصوص الدينية، وترسيخ قيم الرحمة والعدل والوسطية.

كما يمكن للمتطوعين، بالتعاون مع المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية، الإسهام في إطلاق حملات توعوية، ومبادرات حوارية، وأنشطة شبابية، تهدف إلى إخضاع الفكر المتطرف للنقد العلمي والفكري، وكشف تناقضاته مع القيم الدينية والإنسانية والوطنية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تطوير برامج تطوعية مؤسسية داخل الجامعات والمدارس ومراكز الشباب، وإشراك الطلبة في مبادرات تستهدف خدمة المجتمع، ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا، وتنظيم حملات التوعية، والمشاركة في الأنشطة والمجالات الثقافية والبيئية والصحية والتعليمية.

فهذه الأنشطة لا تحقق أهدافًا خدمية فحسب، بل تسهم أيضًا في بناء جيل يمتلك الوعي والمسؤولية، ويتمتع بالقدرة على مواجهة الأفكار المنحرفة بالحجة والمعرفة والعمل الإيجابي.

ومن الضروري كذلك ألا يُنظر إلى العمل التطوعي باعتباره بديلًا عن الجهود الأمنية أو التربوية أو الفكرية المتخصصة، وإنما بوصفه عنصرًا مكملًا لمنظومة متكاملة للوقاية من الإرهاب والتطرف.

فالمواجهة الحقيقية لا تقتصر على معالجة النتائج، بل تتطلب الوقاية من الأسباب، وتحصين العقول، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وتوفير بيئات حاضنة للإبداع والمشاركة والانتماء.

إن الاستثمار في العمل التطوعي هو استثمار في الإنسان، وفي أمن المجتمع واستقراره، وفي مستقبل الأجيال. فالأوطان لا تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بوعي أبنائها، وإحساسهم بالمسؤولية، واستعدادهم لبذل أوقاتهم وجهودهم من أجل تحقيق الصالح العام.

خلاصة القول، إن العمل التطوعي يمثل إحدى الأدوات الحضارية المهمة في مواجهة الإرهاب والتطرف الفكري؛ لما يسهم به في تعزيز قيم المواطنة والتسامح والتكافل، وإتاحة فرص حقيقية أمام الشباب للمشاركة والاندماج في المجتمع، وتحصينه من النزعات الهدامة.

ومن هنا، فإن نشر ثقافة التطوع، وتطوير مؤسساته، ودمجها في منظومة التربية والتعليم والعمل المجتمعي، لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة وطنية وحضارية تفرضها تحديات العصر ومتطلبات الأمن الفكري والاجتماعي.

ومسك الختام، لمواجهة الفكر المتطرف، لا يكفي أن نرفض الشر، بل ينبغي أن نبني الخير، ولا يكفي أن نواجه الكراهية بالشعارات، بل علينا أن نزرع المحبة من خلال التعاون والتكاتف والعطاء؛ فالمجتمع الذي يتطوع أبناؤه لخدمة بعضهم بعضًا هو مجتمع أكثر تماسكًا، وأقدر على حماية قيمه، وصون أمنه، ومواجهة مختلف أشكال التطرف والإرهاب، وللحديث بقية .

الكاتب: أكاديمي متخصص في علم الاجتماع

ohok1960@yahoo.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :