facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين القيمة والتفاهة


رهام الحكيم
04-11-2026 10:16 AM

في زمن أصبحت فيه الشهرة متاحة للجميع، وتحولت منصات التواصل إلى مساحة لعرض الحياة اليومية والتجارب والآراء، تبرز نماذج مختلفة من الحضور والتأثير.

هناك شخصيات استطاعت أن تصنع أسماءها عبر سنوات من العمل والخبرة والثقافة، وتستقطب الاهتمام بما تملكه من تجربة ورقيّ في الحديث، وأسلوب يعكس وعيها وثقافتها. فهي لا تحتاج إلى افتعال شيء لتلفت الانتباه؛ فقيمتها وعمقها وما تقدمه هي ما يجعلها جديرة بالمتابعة، ويبقيها حاضرة في ذاكرة الناس.

ولو ذهبنا إلى النقيض، ولا مجال للمقارنة طبعاً، وإنما لنتأمل الشيء ونقيضه، ونظرنا إلى ما يفعله بعض صناع المحتوى اليوم، سنجد صورة مختلفة تماماً. فبعدما أدرك بعضهم سطحية تفكيرهم ومحدودية ثقافتهم، وعدم امتلاكهم مضموناً يستحق المتابعة، لم يجدوا سوى افتعال التفاهة وإثارة الجدل والتصنّع للبقاء في دائرة الضوء.

لم يعد الأمر مجرد عفوية أو محتوى خفيف، بل أصبح لدى بعضهم سلوك متعمد يقوم على استفزاز الجمهور وافتعال المواقف وتقليد أنماط حياة لا تشبههم، حتى لو كان ذلك على حساب صورتهم واحترام الناس لهم. والمفارقة أنهم يدركون أن الجمهور ينتقدهم ويسخر من تصرفاتهم، بل قد يصل الأمر إلى شتمهم، لكن ذلك لا يعني لهم الكثير ما دامت المشاهدات تتزايد وأسماؤهم متداولة.

وتساهم خوارزميات منصات التواصل في تعزيز هذه الظاهرة؛ فهي تعتمد على مؤشرات التفاعل لتحديد المحتوى الذي يستحق الظهور على نطاق أوسع. فهي قد تتعامل مع التعليق الغاضب أو الانتقاد أو إعادة النشر على أنها أشكال من التفاعل، دون أن تميز الخوارزمية بالضرورة بين الإعجاب والرفض. وهكذا يصبح استياء الجمهور نفسه سبباً في انتشار المحتوى.

وقد يكون هذا السلوك انعكاساً لهشاشة داخلية وفراغ في المضمون، يحاول بعضهم تعويضه بتضخم رقمي وهمي تصنعه المشاهدات والأرقام. ومن هنا تأتي مسؤوليتنا كمتابعين؛ فبدلاً من منحهم مزيداً من الانتشار عبر الشتم والانتقاد، الذي قد تستفيد منه خوارزميات منصات التواصل في زيادة انتشار محتواهم ورفع عدد مشاهداتهم، يظل التجاهل أحد أكثر المواقف تأثيراً في الحد من انتشار هذا النوع من المحتوى. فاحترام الذات يبدأ أيضاً من عدم منح الوقت والاهتمام لكل ما يُعرض علينا.

كيف يقبل بعض صناع المحتوى أن يحققوا انتشاراً واسعاً على حساب رصيدهم الاجتماعي واحترام الناس لهم وسمعتهم، وأن يكونوا معروفين لدى الجميع دون أن يكونوا موضع تقديرهم؟ وهل أصبحت الشهرة أهم من الصورة التي يتركها الإنسان عن نفسه في أعين الآخرين؟

أليس من الأفضل لهؤلاء أن يبحثوا عن الجوانب الإيجابية في شخصياتهم ويستثمروها بدلاً من افتعال ما يسيء إليهم؟ فكل إنسان يمتلك ما يميّزه، وما يستحق أن يطوّره ويقدمه للآخرين، بدلاً من محاولة لفت الأنظار بأي وسيلة.

التاريخ لن يرحم من جعلوا من التفاهة وسيلة للشهرة، مهما حاولوا لاحقاً تلميع صورتهم أو إعادة تقديم أنفسهم بصورة مختلفة؛ فذاكرة الناس لا تنسى بسهولة، والناس أكثر وعياً مما يظن البعض، وليس من السهل خداعهم بأنماط مصطنعة وشخصيات لا تشبه أصحابها. فما يصل إلى الناس بصدق وواقعية يبقى، أما التصنّع مهما طال فلا يمكنه أن يصنع أثراً حقيقياً.

الشهرة ليست مرادفاً للمكانة، والانتشار ليس دليلاً على القبول، وكثرة المتابعين لا تعني بالضرورة أن صاحب الحساب يحظى باحترامهم.

ليس المهم أن يعرفك الناس فحسب، بل ما الذي يعرفونه عنك، وما الصورة التي ستبقى في أذهانهم بعد أن ينتهي ضجيج المشاهدات.

فليس كل حضور يترك أثراً، وليس كل شهرة تستحق التقدير.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :