لم تكن أحداث الإرهاب التي شهدتها الكرك مجرد اعتداء على أمن الوطن، بل جرس إنذار يذكّرنا بأن الأخطار التي تهدد الدول لا تأتي دائمًا من خارج حدودها، وأن قوة الأردن لا تكمن في يقظة أجهزته الأمنية وبسالة قواته المسلحة وحدهما، بل أيضًا في تماسك جبهته الداخلية، وصلابة نسيجه الاجتماعي، وثقة الأردنيين بوطنهم ومستقبلهم.
فالإرهاب لا يستهدف الأرواح فحسب، بل يحاول اختراق المجتمعات من الداخل، وزرع الخوف والشك وإضعاف الثقة. ولذلك، فإن مواجهته لا تكتمل بالإجراءات الأمنية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تتطلب بناء مجتمع محصّن بالوعي والانتماء والعدالة، وشباب يجدون في وطنهم فرصًا تستحق أن يتمسكوا بها.
وأمام هذه الأحداث، استعدت حديث الدكتور طلال أبوغزالة عبر برنامج «نبض البلد»، حين تحدث عن قدرة الأردن على الصمود ألف عام في مواجهة التحديات والمشروعات التي تستهدف أمنه واستقراره، وفي مقدمتها ما يُعرف بمشروع «إسرائيل الكبرى»، داعيًا إلى تعزيز الاعتماد على الذات وبناء اقتصاد وطني قوي.
قد يبدو الحديث عن ألف عام من الصمود أقرب إلى المبالغة، لكن القضية ليست في عدد السنوات، بل في السؤال الأهم: هل نريد أردنًا يواصل الصمود أمام الأزمات، أم أردنًا يمتلك من القوة والمناعة ما يجعله قادرًا على صناعة مستقبله بدل الاكتفاء بالدفاع عنه؟
لقد وضع الدكتور أبوغزالة أمامنا معادلة تستحق نقاشًا وطنيًا جادًا: لا استقلال حقيقي للقرار السياسي دون اقتصاد قادر على حمايته، ولا اقتصاد قوي دون مجتمع متماسك يؤمن بمستقبله. فاللحمة الاجتماعية ليست شعارًا نردده عند الأزمات، بل ثروة وطنية ينبغي الاستثمار فيها وحمايتها من الانقسام والتطرف وتراجع الثقة.
ومن هنا تكتسب دعوته إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والتعليم أهمية استراتيجية. فهذه القطاعات لم تعد مجرد مؤشرات للنمو الاقتصادي، بل أصبحت مكونات أساسية للأمن الوطني. فالدولة التي لا تستطيع تأمين احتياجاتها الحيوية تظل أكثر عرضة لتقلبات الأسواق والضغوط الخارجية، مهما بلغت صلابة مواقفها السياسية.
لكن الاكتفاء الذاتي لا يعني الانغلاق على العالم أو محاولة إنتاج كل شيء مهما بلغت تكلفته، بل بناء القدرة الوطنية في القطاعات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الإمداد، والاستثمار في المعرفة والابتكار، وتطوير شراكات اقتصادية تقلل الاعتماد المفرط على الخارج.
وهنا يبرز سؤال لا يجوز أن نظل نؤجل الإجابة عنه: لماذا نتحدث كثيرًا عن إمكانات الأردن، ولا نرى بالقدر نفسه تحول هذه الإمكانات إلى قوة إنتاجية؟
لدينا كفاءات علمية أثبتت حضورها عالميًا، وقطاع دوائي يمتلك خبرات مهمة، وطاقات شبابية قادرة على الابتكار، وفرص واعدة في التكنولوجيا والسياحة والصناعات المعرفية. ومع ذلك، ما زلنا بحاجة إلى رؤية تنفيذية أكثر جرأة تربط التعليم بسوق العمل، والبحث العلمي بالإنتاج، والاستثمار بالأولويات الوطنية.
ولا يمكن فصل هذه المعادلة الاقتصادية عن واقعنا الاجتماعي. فالبطالة وتراجع الفرص والشعور بالتهميش ليست تحديات تنموية فحسب، بل قضايا تمس تماسك المجتمع وثقته بالمستقبل. وحين نتحدث عن تحصين الشباب من التطرف، فإننا لا نتحدث عن التوعية وحدها، بل عن تعليم نوعي، وفرص عمل كريمة، وعدالة في توزيع الفرص، ومشاركة حقيقية في الحياة العامة.
فالمجتمع المتماسك هو خط الدفاع الأول عن الدولة، والاقتصاد المنتج هو الضمانة لاستمرار هذا التماسك.
أما ما طرحه الدكتور أبوغزالة بشأن جامعة الدول العربية، فإنني أختلف معه في اعتبار تأسيسها خطأً من الأساس. فالخلل ليس في وجود مؤسسة عربية جامعة، بل في الفجوة بين ما تمتلكه الدول العربية من إمكانات وما تحققه من عمل مشترك، وبين القرارات التي تُعتمد والنتائج التي تصل إلى المواطن العربي. وما نحتاجه ليس إضعاف الجامعة، بل إصلاح آليات عملها وتعزيز قدرتها على تحويل الإرادة السياسية إلى تعاون اقتصادي وعلمي وتكنولوجي حقيقي.
لقد أثبت الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه، قدرته على تجاوز محطات صعبة، وتمسكه بمواقفه الوطنية الثابتة، وفي مقدمتها الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ورفض التهجير والتوطين على حساب الأردن. لكن التحديات المقبلة تفرض أن يواكب هذا الثبات السياسي مشروع اقتصادي واجتماعي لا يقل قوة ووضوحًا.
وهنا تكمن أهمية ما أثاره الدكتور طلال أبوغزالة؛ فالقضية لا ينبغي أن تبقى حديثًا تلفزيونيًا يثير الاهتمام ثم ينتهي بانتهاء البرنامج، بل أن تفتح نقاشًا وطنيًا حول أولوياتنا الاقتصادية والتنموية، وما نحتاجه من قرارات وبرامج ومؤشرات واضحة لقياس الإنجاز.
لقد ذكّرتنا أحداث الكرك بأن أمن الوطن لا يحتمل التهاون، كما يذكّرنا حديث أبوغزالة بأن الصمود لا ينبغي أن يكون غاية بحد ذاته. وبين الرسالتين تتضح مسؤوليتنا: أن نحمي الأردن من الأخطار، وأن نبني في الوقت نفسه مقومات قوته الاقتصادية والاجتماعية، حتى لا نظل ننتظر الأزمة التالية لنكتشف ما كان ينبغي علينا فعله قبل وقوعها.
فالأردن لا يحتاج إلى ألف عام ليثبت أنه قادر على الصمود؛ فقد أثبت ذلك مرارًا. ما يحتاجه اليوم هو أن ننتقل من إدارة التحديات إلى صناعة الفرص، ومن الاعتزاز بقدرتنا على الاحتمال إلى الاستثمار في قدرتنا على الإنجاز.
ولعل الدرس الأهم أن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بما تستطيع مقاومته من أخطار، بل بما تستطيع أن تبنيه من مستقبل.
فليس الإنجاز أن يبقى الأردن واقفًا في وجه العواصف، بل أن نبني أردنًا لا تستطيع العواصف أن تزعزع وحدته، أو ترهن قراره، أو تسرق مستقبل أبنائه.