الأردن في مواجهة الاستهداف الإسرائيلي
د. بركات النمر العبادي
21-10-2026 11:54 AM
المخدرات والتهجير والضغوط الاقتصادية أدوات لتهديد الأمن الوطني للاردني
*(المخدرات)
لا تُقاس خطورة التهديدات التي تواجه الأوطان بما تعلنه من حروب فحسب، بل بما تحمله من محاولات لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بالدولة، وإضعاف قدرتها على الصمود، والنيل من تماسك مجتمعها واستقراره. فثمة تهديدات تعبر الحدود بالسلاح، وأخرى تتسلل عبر الاقتصاد والمخدرات والضغوط السياسية، وثالثة تستهدف الهوية الوطنية وتماسك المجتمع. وفي الحالة الأردنية، تتداخل هذه المسارات في بيئة إقليمية مضطربة، تجعل من حماية الأمن الوطني مسؤولية تتجاوز الحسابات العسكرية إلى رؤية شاملة للدولة والمجتمع والإنسان.
وليس الأردن بعيدًا عن تداعيات السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فالمملكة ترتبط بفلسطين بروابط تاريخية وجغرافية واجتماعية، كما أن استقرارها يتأثر مباشرة بأي محاولة لفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية أو المساس بالقدس ومقدساتها أو دفع الفلسطينيين قسرًا إلى مغادرة أرضهم. وقد حذّر جلالة الملك عبدالله الثاني، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2026، من أن ما يجري في الضفة الغربية يتجاوز الاعتداءات المتفرقة إلى مسار يهدف إلى دفع السكان نحو الرحيل، في سياق يتصل بتوسيع الاستيطان وتغيير الوقائع على الأرض.
ويمكن القول ان المخدرات: جبهة جديدة في معادلة الأمن الوطني ، تكتسب محاولات تهريب المخدرات إلى الأردن خطورة مضاعفة حين تتخذ أساليب غير تقليدية، وتستغل التقنيات الحديثة في تجاوز الرقابة الحدودية. وقد أعلنت القوات المسلحة الأردنية، خلال تشرين الأول 2026، إحباط محاولات تهريب باستخدام بالونات موجّهة، كما تناولت تقارير إعلامية تصاعد نشاط شبكات تهريب على الحدود الغربية للمملكة، بما فيها شبكات يُشتبه في نشاطها انطلاقًا من مناطق داخل إسرائيل.
وهذه الوقائع تستدعي يقظة أمنية متقدمة، لكنها تستدعي كذلك التمييز بين ثبوت عمليات التهريب وبين إثبات مسؤولية جهة رسمية عن توجيهها أو رعايتها. فالمطلوب هو تحديد الشبكات ومصادرها ومموليها والجهات المستفيدة منها بالأدلة والتحقيقات المختصة؛ إذ إن خطورة الجريمة لا تبرر التخلي عن الدقة في تحديد المسؤولية.
ومع ذلك، فإن الدلالة الأمنية لهذه الظاهرة لا ينبغي أن تُختزل في عدد المضبوطات أو نجاح عملية تهريب أو إحباطها. فالمخدرات تضرب الإنسان في صحته وإرادته وقدرته على الإنتاج، وتثقل كاهل الأسرة، وتفتح المجال أمام الجريمة المنظمة والاستغلال المالي والاجتماعي. وإذا ثبت أن هذه التجارة تُستخدم عمدًا للإضرار بالأردن، فإنها تتحول من نشاط إجرامي عابر للحدود إلى أداة عدائية تستهدف المجتمع في أحد أكثر مواضعه حساسية: شبابه ومستقبله.
وهنا تتجلى حقيقة جوهرية: إن الحدود التي يحرسها الجيش العربي لا تقل أهمية عن الحدود المعنوية والأخلاقية التي تحمي المجتمع من التفكك والإدمان والاستغلال. فالدفاع عن الوطن لا ينتهي عند منع المخدرات من العبور، بل يستمر في منعها من الوصول إلى عقول الشباب وحياتهم ومستقبلهم.
*(التهجير)
التهجير والضفة الغربية: الخطر الذي يتجاوز حدود فلسطين، يمثل مشروع التهجير القسري للفلسطينيين أحد أخطر الملفات التي تمس الأمن الوطني الأردني؛ لأنه لا يتعلق بمأساة إنسانية فحسب، بل بمستقبل القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في أرضه، واستقرار المنطقة بأسرها.
إن أي محاولة لفرض التهجير باتجاه الأردن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من شأنها أن تمس السيادة الأردنية وتضع المملكة أمام تداعيات ديموغرافية واقتصادية وأمنية جسيمة. كما أن توسيع الاستيطان وفرض وقائع الضم في الضفة الغربية يهددان إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، ويزيدان احتمالات الانفجار وعدم الاستقرار على امتداد الحدود.
وقد أدانت وزارة الخارجية الأردنية في شباط 2026 إجراءات إسرائيلية تهدف إلى فرض واقع جديد في الضفة الغربية وتعزيز الاستيطان والضم، محذرة من تداعياتها على حقوق الفلسطينيين وحل الدولتين.
ومن منظور الأمن الوطني، فإن رفض التهجير ليس موقفًا تضامنيًا مع الشعب الفلسطيني فحسب، بل دفاع عن المصلحة الأردنية العليا أيضًا. فالأردن الذي يتمسك بحق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم، يتمسك في الوقت نفسه بحقه في حماية حدوده وتركيبته الوطنية واستقراره السياسي والاجتماعي.
ولا يمكن فصل هذا الملف عن الانتهاكات المتكررة في القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، التي تمثل قضية دينية وتاريخية ووطنية للأردن، بحكم الوصاية الهاشمية على هذه المقدسات. فالمساس بها لا يبقى محصورًا في نطاقه المحلي، بل ينعكس على مشاعر المجتمعات العربية والإسلامية، ويزيد التوتر ويقوض فرص الاستقرار.
*المياه والاقتصاد : حين تتحول الحاجات الأساسية إلى أوراق ضغط ، لا تُصان سيادة الدولة بالقوة العسكرية وحدها؛ فالقدرة على تأمين المياه والطاقة والغذاء والموارد الأساسية جزء أصيل من استقلال القرار الوطني. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة الملفات الاقتصادية في سياقها الاستراتيجي، خصوصًا عندما ترتبط بعلاقات إقليمية تتعرض للتوتر.
وفي هذا الإطار، أثار عدم تجديد اتفاق إضافي لتزويد الأردن بنحو خمسين مليون متر مكعب من المياه سنويًا، وفق تقارير تناولت القرار الإسرائيلي في تموز 2026، تساؤلات بشأن مخاطر الاعتماد على ترتيبات خارجية في قطاع حيوي يعاني أصلًا شحًا مائيًا شديدًا. وقد أشارت تحليلات إلى أن الملف المائي بات أكثر ارتباطًا بحسابات السياسة والأمن في العلاقة بين البلدين.
ولا يعني ذلك أن كل قرار اقتصادي أو خلاف تعاقدي يمثل بالضرورة استهدافًا متعمدًا للأردن؛ لكن التجربة تكشف أن الاعتماد المفرط على مورد حيوي يمكن أن يحد من هامش القرار الوطني عندما تتدهور العلاقات السياسية.
لذلك، فإن تعزيز الأمن المائي، وتنويع مصادر الطاقة، وتطوير المشاريع الوطنية، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، ليست خيارات تنموية منفصلة عن الأمن، بل أدوات لتحرير القرار الأردني من مواطن الضغط وتقليص قابلية القطاعات الحيوية للتأثر بالتقلبات السياسية.
والدرس الأهم هنا أن الدولة التي تريد حماية استقلال قرارها لا تنتظر وقوع الأزمة كي تبحث عن البدائل، بل تبني قدرتها على الصمود قبل أن تتحول الحاجة إلى وسيلة ضغط.
*الفكر المحافظ : المجتمع المتماسك خط الدفاع الأول ، في مواجهة هذه التحديات، يقدم الفكر المحافظ الأردني إطارًا لفهم العلاقة بين الدولة والمجتمع، قوامه أن قوة الوطن لا تُبنى بالمؤسسات الرسمية وحدها، ولا تُختزل في القوة العسكرية والاقتصادية، بل تستند كذلك إلى الأسرة، والهوية الوطنية، والمسؤولية الأخلاقية، والتكافل الاجتماعي، واحترام القانون، والتراكم التاريخي الذي يمنح المجتمع قدرته على الاستمرار.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف الشباب بالمخدرات، إن ثبت تعمده، لا يهدد أفرادًا متفرقين فحسب، بل يمس إحدى الركائز التي يقوم عليها استمرار المجتمع وقدرته على تجديد نفسه. كما أن إضعاف الأسرة، وتوسيع دوائر الإقصاء، وترك البطالة واليأس دون معالجة، يمكن أن يخلق ثغرات تستغلها شبكات الجريمة والتطرف والاتجار بالبشر والمخدرات.
لكن الفكر المحافظ لا يحمّل المجتمع وحده مسؤولية مواجهة هذه المخاطر؛ فهو يربط الواجبات بالحقوق، والانضباط بالعدالة، والانتماء بالثقة المتبادلة. فالدولة مطالبة بحماية مواطنيها، وتحقيق العدالة في تطبيق القانون، وتوسيع فرص العمل، وتوفير بيئة تعليمية منتجة، وإشراك الشباب في الحياة العامة. وفي المقابل، تقع على المجتمع مسؤولية صون القيم العامة، وحماية أفراده، ورفض التواطؤ مع الجريمة، والقيام بواجباته الوطنية.
*تحصين الجبهة الداخلية: من رد الفعل إلى بناء المناعة الوطنية ،إن تعدد التحديات التي تواجه الأردن يفرض الانتقال من التعامل مع كل خطر بمعزل عن الآخر إلى بناء استراتيجية متكاملة للأمن الوطني. فمكافحة المخدرات ترتبط بالتعليم والصحة والتوعية، ومواجهة التهجير ترتبط بالدبلوماسية والقدرة الاقتصادية، وحماية المياه ترتبط بالتخطيط والاستثمار، وصيانة الاستقرار ترتبط بالعدالة الاجتماعية والثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، ينبغي تعزيز قدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وتطوير أدوات الرصد والتتبع، وملاحقة شبكات التهريب ومموليها، وتوسيع التعاون الدولي في تبادل المعلومات. كما ينبغي تعزيز الرقابة على التقنيات المستخدمة في التهريب، بما فيها البالونات الموجّهة والمسيّرات، وتطوير التشريعات والإجراءات بما يتناسب مع طبيعة المخاطر المستجدة.
غير أن الرد الأمني، على أهميته، لا يغني عن الوقاية الاجتماعية. فالشباب يحتاجون إلى فرص عمل حقيقية، وتعليم يربط المعرفة بالحياة، ومساحات للمشاركة والإبداع، وخدمات علاجية وتأهيلية تساعد المتضررين من الإدمان على استعادة حياتهم. كما تحتاج الأسر إلى التوعية والدعم، ويحتاج المجتمع إلى خطاب إعلامي مسؤول لا يهوّن من الخطر ولا يبالغ فيه، ولا يحوّل الشائعات إلى حقائق.
ويظل الجيش العربي والأجهزة الأمنية في طليعة المدافعين عن السيادة، لكن المجتمع المتماسك هو الحاضنة التي تمنح هذه المؤسسات قوتها المعنوية والوطنية. ومن هنا، فإن تعزيز الثقة بالدولة، وتكريس المواطنة المسؤولة، واحترام القانون، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة في توزيع الفرص، كلها عناصر في معادلة الأمن الوطني وليست ملفات ثانوية يمكن تأجيلها.
*الأردن: قوة الدولة في صلابة المجتمع ، إن قراءة التحديات الإسرائيلية والإقليمية التي تواجه الأردن ينبغي ألا تقتصر على ردود الفعل أو الخطاب الانفعالي، بل أن تستند إلى فهم دقيق للوقائع، وتقدير متوازن للمخاطر، وسياسات طويلة المدى تحمي المصالح الوطنية.
فالتهديدات المرتبطة بالضفة الغربية والتهجير، والانتهاكات في القدس، ومحاولات تهريب المخدرات، ومواطن الاعتماد الاقتصادي والمائي، تمثل ملفات مختلفة في طبيعتها، لكنها تلتقي عند ضرورة حماية استقلال القرار الأردني وصون استقرار الدولة. ولا يصح وضعها جميعًا في مرتبة واحدة أو نسبة دوافع موحدة إليها دون أدلة؛ بل ينبغي التعامل مع كل ملف وفق معطياته، مع إدراك ما قد يجمع بينها من آثار استراتيجية.
إن الأردن لا يحتاج إلى المبالغة كي يثبت يقظته، ولا إلى التقليل من المخاطر كي يحافظ على استقراره. ما يحتاج إليه هو دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع واثق بهويته، وشباب يمتلكون الأمل والفرصة، واقتصاد يقلل مواطن الاعتماد، ودبلوماسية تدافع عن الحقوق والسيادة بثبات ووضوح.
وهنا تبرز خلاصة الرؤية المحافظة للأمن الوطني: إن الوطن ليس حدودًا جغرافية فحسب، بل تاريخ مشترك، وأسرة متماسكة، وقيم جامعة، ومؤسسات عادلة، وإرادة جماعية في حماية المستقبل. فالحدود تحرس الأرض، والقانون يحمي الحقوق، والاقتصاد المستقل يوسع هامش القرار، أما المجتمع المتماسك فيمنح الدولة قدرتها على الصمود أمام الأزمات.
وإذا كانت التحديات الإقليمية تتغير في أدواتها وأساليبها، فإن الرد الأردني ينبغي أن يتطور في أدواته أيضًا، دون أن يتخلى عن ثوابته. فحماية الأردن تبدأ من يقظة حارسه على الحدود، وتمتد إلى وعي شبابه، وتماسك أسرته، وكرامة مواطنيه، وقدرة مؤسساته على تحويل التحديات إلى حافز لبناء دولة أكثر منعة واستقلالًا. فالأوطان لا تُحمى بالقوة وحدها، بل بحكمة استخدامها، وبالعدالة التي توطد الثقة، وبالمجتمع الذي يعرف ما الذي يدافع عنه، ولماذا يستحق وطنه أن يبقى آمنًا ومستقرًا وقادرًا على صناعة مستقبله.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة
*الامين العام المساعد للثقافة الحزبية