المجالس والحكواتي الدبلوماسي
د. ليال عيسوه
21-10-2026 12:06 PM
في السياسة، لا تقتصر أهمية اللقاءات على ما يدور خلالها، بل تمتد إلى ما تكشفه من زوايا مختلفة لفهم المشهد. فثمة فرق بين رواية الأحداث وقراءة دلالاتها؛ إذ لا تتضح الصورة بجمع التفاصيل وحدها، بل بربطها بسياقاتها وفهم ما وراءها.
من هنا جاءت استعارة «الحكواتي الدبلوماسي»؛ صورة ذهنية تشكّلت في مخيلتي من مشاهد اللقاءات والاجتماعات، حيث تتعدد الروايات وتختلف طرق عرض الوقائع. وهي ليست مرتبطة بشخص بعينه، بل تعبّر عن فكرة تستوقفني في الحياة العامة: كيف تُروى الأحداث، وكيف تتباين قراءاتها باختلاف زاوية النظر. فتماسك الرواية لا يعني بالضرورة اكتمال الصورة، كما أن حسن عرض الوقائع لا يغني عن فهم سياقها وما تحمله من معانٍ.
ولا تقتصر هذه الفكرة على السياسة والاجتماعات الرسمية، بل تمتد إلى بيئات العمل والنقاشات الاجتماعية ومختلف المساحات التي تتشكل فيها الآراء. ففي كل هذه السياقات، لا تكفي معرفة ما حدث؛ بل تبرز أهمية التحليل في التمييز بين ظاهر الوقائع وما تكشف عنه، وبين الانطباع الأول والقراءة المتأنية.
وتظهر قيمة المؤسسات حين تتمكن من تحويل النقاش إلى عمل، والتصورات إلى مسارات قابلة للتطوير. ففاعلية أي مؤسسة لا تُقاس بحجم حضورها أو كثافة اجتماعاتها، بل بقدرتها على بلورة رؤية واضحة، وإعداد الكفاءات، وطرح خيارات تستجيب للحاجات الفعلية وتكون قابلة للنقاش والتطبيق. فالحضور قد يلفت الانتباه، لكن المضمون هو ما يمنحه قيمة، والإنجاز هو ما يثبت أثره.
ولا يُشترط أن ينتهي كل لقاء بنتيجة فورية؛ فبناء التفاهم يحتاج إلى وقت، ونضج الرؤى يتطلب التدرج. غير أن التدرج لا يعني البقاء في دائرة الانتظار، بل يفترض وضوح الغايات، وتكامل الخطوات، والاستعداد للمراجعة والتطوير كلما استدعت الحاجة، مع الحفاظ على الاتجاه.
في المحصلة، لا تكمن أهمية المجالس في كثرة ما يُروى عنها، بل في قدرتنا على فهم ما تكشفه. فالسرد ينقل الحدث، والتحليل يفسّر أبعاده، والرؤية تحدد اتجاهه، والعمل يمنحه قيمته. وبين الحكاية والواقع، تبقى الحكمة في ألّا نكتفي بما نسمع، بل أن نقرأ ما وراءه، ونميّز بين جاذبية الرواية وعمق الفكرة، وبين حضور الكلام وأثره في الواقع.